الفهم قبل الحكم والوعي قبل الدفاع
(فهم مسارات اللاهوت المسيحي مقدّمة لدراسة فلسفة الدين والكلام الجديد) بأنّ المطلوب منّا اليوم هو أن ندافع عن الدين ضدّ (الشبهات)، وضدّ الإلحاد واللادينية وغير ذلك، أمّا الاشتغال على وعي المسيحيّة في سياق تعاملها مع قضايا فلسفة الدين والكلام الجديد، فإن لم يكن موضوعاً مضرّاً وقد تتسرّب إلينا منه أفكار مقلقة، فلا أقلّ من أنّه لا أولويّة له الآن.أختلفُ تماماً مع هذه الرؤية، بل أراها أحد أسباب أدائنا غير السويّ في بعض الأحيان، فلا يمكنك أن تحكم على شيء قبل أن تفهمه جيداً، ولا يمكنك أن تدافع عن شيء إلا أن تفهمه وتفهم الخصم وهجومه ونقده جيّداً، فالفهم قبل الحكم، والوعي قبل الدفاع، ولهذا كثيراً ما دافعنا بطريقة خاطئة أوجبت في بعض الأحيان سخرية الطرف الآخر وضحكه، لا لشيء إلا لأنّنا استعجلنا الدفاع قبل الفهم.في نهاية الثمانينيّات ومطلع التسعينيّات من القرن الماضي، نشر الدكتور عبد الكريم سروش مقالاته الفلسفيّة المعروفة حول نظريّة القبض والبسط وتكامل المعرفة الدينيّة، وسرعان ما هبّ بعض العلماء مشكوراً للنقد في حينه، وكتب ما يعدّ من أوائل المصنّفات النقديّة على نظريّة سروش هذه، كان سروش يقول: إنّ المعرفة الدينية مستهلِكة، ومن ثم فهي متغيّرة، فأجابه ذلك العالم الجليل المسكون بالعقل الفلسفي المدرسي: إنّ المعرفة وجود ذهني، والوجود الذهني مجرّد وليس مادياً، والمجرّد ثابت فلا يتغيّر، كما ثبت في الفلسفة.ليست المشكلة فيما قاله ذلك العالم عن الوجود الذهني، فهذه نظريّة معمّقة في الدراسات الفلسفيّة، لكن المشكلة أنّ صاحبنا لم يعرف ماذا يريد سروش من تغيّر المعرفة، فظنّه يتكلّم ضمن سياقات الفلسفة المدرسيّة العقليّة، ولم ينتبه إلى أنّ سروش يتكلّم من فضاءات كارل بوبر، وقبله عمانوئيل كانط، ولأنّه لم يفهمه جيّداً قدّم نقداً أقلّ ما قيل فيه إنّه مخجل، حتى أنّ بعض كبار ناقدي سروش علّق عليه. من هنا يُنقل عن سروش شخصيّاً أنّه يفضّل انتقادات الشيخ صادق لاريجاني على غيره؛ لأنّ لاريجاني كان أكثر خبرةً ووعياً بالفلسفة الغربيّة وبفضاء نظرية سروش من مصادرها، مما مكّنه أكثر من التعامل معها بذهنيّة ممتازة، بصرف النظر الآن عن الموقف من نظريّة سروش والانتقادات عليها،ما أردتُه هو أنّ الفهم أهم بكثير من الدفاع، والحماسة الدفاعية هي مقتلنا الأيديولوجي عندما تجرّنا للعجلة في تناول الأمور، قبل طيّ مراحل تكوين الوعي التام بما نتعامل معه من قضايا وأفكار، وهي التي تدفعنا أيضاً للخوف من التعرّف على الآخر بمعزلٍ عن نقده، بوصف ذلك مرحلةً أولى للتعامل معه فيما بعد، وتعدّ ذلك جناية، وترويجاً للباطل، وإضعافاً للحقّ.أحترم وجهة نظر الناقد العزيز، لكنّني اختلف معه فيها تماماً وإلى أبعد الحدود؛ لأنّه ـ شعر أو لم يشعر ـ يكرّس لمنطق خطأ الآخر قبل معرفته، وتقديم النتائج على المناهج، وحكومة النتيجة على المقدّمات وليس العكس، وهذا كلّه قلبٌ حقيقي لقواعد التفكير المنطقي.



