النسخة الرقميةثقافية

«بهار» رواية الإبادة الرابعة والسبعين للإيزيديين

احمد العتبي

تنتمي رواية بهار للأستاذ عامر حميو، في شكلها الروائي وبنيتها السردية لأدب الواقع، صدرت بطبعتها الأولى عام 2016 عن دار ليندا للطباعة والنشر والتوزيع في سوريا، وما أن نفدت طبعتها الأولى حتى أتمت الدار طرح طبعة ثانية منها في العام التالي. والواقعية بوصفها منهجاً أدبياً هي الاتجاه الجمالي الأدبي الأكثر تطوراً وتجدداً والأكثر تميزاً وحضوراً، وإن الكاتب عندما يعبر إنما يختار مادته الخام من عناصر هذا المجتمع ومن علاقاته المتفاعلة، أراد هذا أم لم يُرِد، قصد هذا أم لم يقصِد.

وذلك ما قام به الروائي عامر حميو في صنع البُنيات الذهنية التي يحتاجها قارئ ما لروايته بهار، والتي ستكون فيما بعد أساسا لتكوين استنتاجات ذهنية جديدة عمّا كان مِن رصيده المعرفي المتكون من متابعاته أو معايشته لوقائع السبي والهوان الذي تعرضت له الكثير من نساء الديانة الايزيدية في احتلال داعش لمحافظة الموصل شمالي العراق.
فضاء الرواية
تعالج الرواية مأساة احتلال تنظيم داعش الإرهابي لسهل نينوى وأجزاء من شمالي العراق، فتبدأ بمشهد جمع بطلاتها (بهار وفيفيان وآمال) في دار بهار للاحتفال بعيد ميلادها، وهنا يتم اقتحام الدار من عناصر التنظيم الوحشيين، وتنتهي خلال عمليات تحرير تلك المناطق من القوات العراقية.
ويهديها كاتبها إلى كل فتاة أيزيدية عاشت المحنة وذاقت مرارتها قائلاً: «ارفعي رأسك يا ابنتي، واحكي للناس بشاعة فعلهم» ص 3.
رواية الرواية
اتبع الروائي في بهار طريقتين لسرد الأحداث فيها، أولهما عن طريق راوٍ عليم من خارج نطاق السرد، ينظر للأحداث وسيرورتها بتجرد، فينقل الأحداث كما حدثت، دون أن يقع في فخ التدخل الروائي، والذي نعتبره مصيدةً للكثير من كتاب الرواية يضعون فيها رؤاهم بلسان الراوي العليم وهو ما يؤشر خللاً في الغالب، وتجاوز كل ذلك من قبل عامر حميو محسوبٌ له ويستحق عليه الإشادة والثناء.
وثاني الطريقتين هي صناعة راوٍ أو ساردٍ أو كاتبٍ الأحداث بوسعه أن يعرض وجهة نظره الذاتية من خلال موضوع الرواية، لكن بطريقة غير مباشرة، وهي ما وجدتُها في هذه الرواية سبباً للإشادة بكاتبها كما سبق في أعلاه.
فقد استعمل المُذكرات معزِزةً للحدث الروائي عن طريق كتابة البطلتين الناجيتين من المأساة (بهار و فيفيان) لمذكراتهما بشكل عصفٍ ذهني يتراوح اتجاههُ ما بين الاستباق والاسترجاع في المتن الروائي لضرورة فنية اقتضتها الحاجة، بعد أن حدث لهما ما حدث كجزء من علاج نفسي تلقيَتاه بعد الصدمة التي هزت كيانهن وامتهنت كرامتهن، وكان من نتائجها إباحتهن للعديد من الهمجيين من أعضاء التنظيم الفاجر.
تقول فيفيان: «كانت السياط تعزف لحنها على ظهر هناري وسط نشيج المحتجزات.. فقد قرأت النظرة في عينيها، وشاركتني الإحساس بهار، كما أخبرتني بعد ذلك، ان عيني هناري كانت ترسل رسالة إصرار وتحدٍ ضد جلاديها»، ص 111.
كما نجد الحوارات بين العديد من شخصيات الرواية لتعبر كل شخصية عن رؤيتها ورؤاها للحدث الاجتماعي والسياسي وحتى الديني المتداخل في حيوات كل منها.
ويمكننا ملاحظة ذلك في النص التالي:
«نحن لانندب الحظ يا (روشي).. نحن نحلل مأساتنا.. عزاؤنا إن عرفنا أسباب إبادتنا (الرابعة والسبعين)، علّ أجيالنا القادمة تتفادى الإبادة التالية»، ص 94. ومثله نصوص عديدةٌ تمثل ذلك التوجه.
تجسيد المأساة
تجسد الرواية المأساة الأيزيدية العراقية على وفق منهج أطّر به الروائي روايته بلغة بعيدة عن سيميائيات الخطاب، والحوارات النمطية التي تقترب من الاسترسال الكلامي لدى الأبطال، كما تبتعدُ الرواية عن المساهمات التصويرية التجريدية لعوالم الأشياء، وهو مما أكسبها مقبولية لدى قارئها لبعدها عن التشظي والتشتت.
«نساءٌ مربوطات لبعضهن في سلاسل تقيدُ معاصمهن لبعضها، وسرى همسٌ بين الناس، فيما علت أصوات منهم تقول:
ـ سبايا.
ـ أيزيديات.
فرد عليهم صوتٌ من وسط الجموع:
ـ لا.. زانيات.
صاحَ صوتٌ من الخلف:
ـ اجمعوا الحجارة للرجم»، ص 45.
ومما أثر فيّ من ضمن ما عالجته الرواية، ورأيت له أهمية كبرى في كونه حدَثاً روائياً خاصاً مصاحباً لسيرورة الحدث الروائي العام، وتمثل ذلك في مشهد قتل (آمال)، بعد إصدار الحكم عليها من قبل (الحاكم الشرعي/ الداعشي) لولاية الموصل، وفيه تتجسدُ مأساةٌ أخرى موازية لمأساة السبي الأيزيدي، ألا وهي قتل المُخالف في المذهب بدعوى الشرك، حيث يتم نحر رقبتها وهي تنطق بالشهادتين وسط هرَجِ ومرَجِ حشدٍ كبيرٍ من المُكبرين، حتى يتحشرج صوتها في حنجرتها معلنة بشجاعة أن (علياً ولي الله) مع دفقة دم تناثرت أمام جسدها. لتتجسد فيما بعد الإنسانية بأجمل صورها في النص التالي:
«لم يجف دم آمال بعدعندما نعَتْها بهار متمتمة بصوتٍ خفيض:
ـ ارقدي يا صغيرتي بسلام يحفظك طاووس ملك ومحبة (أيزيدا)»، ص 52.
رواية بهار هي رواية تستحق طبعة ثالثة، ومزيداً من القراءات للإحاطة بمحتواها السردي ومبناها ومعناها، فقد قدمت لنا الكثير مما لاتسعُه عدة مجلدات في 158 صفحة من القطع المتوسط، وذلك أحدُ أسباب نجاحها وشهرتهــا.. لصـــــــــاحبها الأستاذ عامر حميو أرق التحايا، وسأكون بانتظار القادم من أعماله، ولا شك عندي في أن لديه الكثير ليقدمه للمنجـــــــز الروائي العربي بشكل عام والعراقي بشكل خاص.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى