النسخة الرقمية

تهذيب الأخلاق

يبتنى هذا المسلك على حثّ الإنسان ودفعه وإيجاد الداعي فيه إلى القيام بالأعمال الحسنة وإلى إصلاح نفسه من خلال الجزاء والمصالح الدنيوية من جاه أو مال أو ثناء أو ذكر حسن، وعلى تحذيره من القيام بالأعمال السيّئة وذمّها من خلال بيان المساوئ والمضارّ الدنيوية المترتّبة عليها. ولهذا الجزاء المترتّب على العمل خصوصيتان، هما:الأولى: أنّه جزاء دنيوي، ومن الواضح أنّ مثل هذا الجزاء مهما طال به الزمن فهو منقطع الآخر وإلى زوال..والثانية: أنّه جزاء اعتباري لا حقيقي، فالثناء الجميل والذكر الحسن والسمعة الطيبة وما شاكل ذلك كلّها أمور اعتبارية لتنظيم الحياة الاجتماعية ليس إلاّ..ومع هذا، فلو رجع الإنسان إلى واقعه لوجد الكثير منّا يقوم بجملة من أعماله ـ شاء أم أبى ـ لأجل هذا الجزاء، بشهادة أنّه لو لم يترتّب على أعماله ذلك الثناء الجميل والمدح لشخصه ولم يتحقّق ذلك البُعد له لترك العمل ولم يداوم عليه، ولا يشذّ عن هذا إلاّ الأوحدي من الناس الذي يقول: (إنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا).
وللشيخ المطهريّ (قدس سره) كلمة قيّمة هنا، إذ يقول: (كثير من الناس يحبّ الإسلام ولكن بشرط أن يكون هو حجّة الإسلام، فلو قال غيره هذا الإسلام الذي يقوله هو لا يقبله).ومن هنا قال الإمام الخميني (قدس) : (لو اجتمع الأنبياء جميعاً في مكان واحد لما اختلفوا، لأنّه لا أحد منهم يقول: (أنا)، بل كلّ منهم يقول: (هو)، و(هو) واحد فلا معنى لأن يقع الاختلاف بينهم، بل يقع التنازع والاختلاف حينما تصير الأعمال للـ (أنا) وهي متعدّدة). والقرآن صريح في ذلك: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْر اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا), وهذا ضابط مهمّ وخطير يضعه القرآن الكريم بيدك لتعرف هل العمل من عند الله عزّ و جلّ أو من عند غيره. ولا بدَّ من التنبيه هنا، الى أنّ الاختلاف المرفوض الذي نتحدّث عنه هو الاختلاف الذي ينشأ بين المؤمن وأخيه المؤمن داخل الأمّة الواحدة وذلك بفعل (الأنا) وإلاّ فإنّ الاختلاف بين الحق والباطل هو من وظائف وتكاليف المسلم; يقول تعالى: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ). وعلى كلّ حال، فإنّ منشأ الاختلاف داخل الأمّة الصالحة هو (الأنا)، ولعلمائنا قول: إنّ هذه (الأنا) هي التي أسقطت (إبليس) عن ذلك المقام الرفيع، فقد صلّى (إبليس) قبل سقوطه ركعتين لله في السماء في ستّة آلاف سنة، يقول أمير المؤمنين عليه السلام عنها: (لا يُدرى أمن سنـي الدنيا أم من سنـي الآخرة) التي لو حوّلت إلى أيّام حسب ما نعدّ (وَإنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَة مِمَّا تَعُدُّونَ) لكانت أمراً خيالياً، حتى لو فرضنا أنها (الستّة آلاف) كانت هي الواقع لا أنّها لكثرة وأنّ الواقع كان أكثر منها بكثير، ومع ذلك فإنّ هذا الذي صدر منه مثل هذا العمل، طلب منه سبحانه وتعالى طلباً ،حيث أمره بالسجود لآدم (عليه السلام)، فقال في جوابه (أنا) فأسقطته (أناه) من ذلك المقام. كلّ ذلك لنعتبر نحن فلا نفكّر بأننا قد ضمنّا لأنفسنا ضماناً بما نعمله من أعمال نعتقد بأنّها مانعتنا عن السقوط، فإن (أنا) واحدة تُسقط وتُحبط كلّ عمل عمله الإنسان مهما امتدت سنواته، وبالعكس فقد يطوي الإنسان من خلال عمل واحد صغير مسافة ألف السنة بخطوة واحدة، فلا تتصوّروا بأنّ الإنسان يصل بكمّ أعماله؛ في الحديث القدسيّ: «.. من تقرّب إليّ شبراً تقرّبت إليه ذراعاً، ومن تقرّب إليّ ذراعاً تقرّبت إليه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» ‏،فقد يدخل الإنسان إلى المسجد وهو كافر فاجر من أهل النار بنيّة صالحة فيتحوّل إلى مؤمن صالح، ويخرج آخر وهو كافر فاجر وإلى النار وقد دخل مؤمناً صالحاً ، فلا الكمّ منظور في الأعمال ولا صورتها وظاهرها بل المدار على نيّة العمل وحقيقته وباطنه. وعلى هذا تفسّر ضربة الامام عليّ عليه السلام يوم الخندق التي ساوت عبادة الثقلين ـ وفي بعض الروايات فضّلتهما ـ وما ذلك إلاّ بسبب باطن عمل الإمام عليه السلام ونيّته وإخلاصه، وإلاّ قد لا تفرق تلك الضربة من حيث الظاهر والعمل الخارجي عن ضربة أيّ شخص آخر يضربها ويقتل بها عمر بن عبد ودّ. واعلموا أنّ الإخلاص في العمل كالكبريت الأحمر في ندرته، ولا إخلاص إلاّ بمعرفة ولذا قال الامام عليّ عليه السلام: (أوّل الدين معرفته). والمطلب أخطر ممّا قد يُتصور، ويشتدّ فيمن يريد سلوك طريق العلم والعلماء (إذ يغفر الله تعالى للجاهل سبعين ذنباً قبل أن يغفر للعالم ذنباً واحداً) وقد يكتفى بالعدد المعلوم من الركعات وبصيام ثلاثين يوماً وآيتين من القرآن الكريم بالنسبة لعوام الناس ولا يكون ذلك كافياً لطالب العلم، لأنّ المعرفة إذا اختلفت اختلف الحساب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى