هل تحقّق تركيا أطماعها التاريخية ؟!

حياة الحويك عطية
اليوم تعود تركيا العثمانية الجديدة إلى الإمساك بالعصا من الوسط، إلى اللعب على الحبلين في الملف السوري. ولكن بين الروس والأميركيين هذه المرة، والهدف هو نفسه، حلم العثمنة سواء حمله علمانيون أم إسلاميون. حلم لم تبدأ محاولة تحقيقه من الحرب على الأكراد في عفرين أو ما قبلها من مناطق شمالي سوريا، وإنما بدأ من التورّط الأصلي في المؤامرة على سوريا سواء عبر تشكيل المجموعات الإرهابية المُدمّرة أو عبر تمرير التمويل والتسليح لها أو عبر تهريب النفط الذي سيطرت عليه هذه الجماعات بما فيها داعش الارهابي ، وأخيراً عبر أمر لا يقلّ خطورة هو استجلاب الأعداد الضخمة من اللاجئين إما بالإغراء وإما بالإرهاب وإما بهما معاً. الأخطر هو ما يتكشّف ساعة بساعة عن تواطؤ تركي –– أميركي في العملية العسكرية التي تحمل بوقاحة غير عادية إسم «غصن الزيتون». قبل أسبوع أعاد أحد الزملاء نشر وثيقتين خطيرتين من الوثائق الألمانية لعام 1941 تثبتان محاولات تركيا الدؤوبة لإقامة موطئ قدم لها في الشمال السوري بالتفاهم مع النازيين. فهل هو التاريخ يُعيد نفسه باستبدال فرنسا وألمانيا بأميركا وتركيا ؟ وهل ستعيد تركيا ما تحتله ما عدا الجزء الشمالي، كما ورد في الوثيقة ؟ أم أن الأمر سيختصر بحيث يقتصر على احتلال الجزء الشمالي طالما أن المضيّ أبعد من ذلك غير ممكن ؟.
المسرحيات التراجيكوميدية التي شهدناها منذ بدء التحضيرات لعملية عفرين سواء على الصعيد الروسي أو الأميركي أو الأوروبي المُتأمرك تثير الكثير من الشك والتخوّف. فمن لافروف يتّهم الأكراد بالانفصاليين إلى الإدارة الأميركية، يلتقي وزير خارجيتها مع وزير الخارجية التركي في إطار عملية مشتركة للضغط على سوريا وتركيا في مؤتمر باريس حول الأسلحة الكيماوية، ومن ثم يأتي وفد رفيع المستوى إلى أنقرة للاجتماع بالمشرفين على العملية العسكرية، وصولاً إلى مكالمات هاتفية بين ترامب وأردوغان وتصريح باهت من ماتيس وزير الدفاع الأميركي لا يتجاوز رفع العتب. مؤتمر باريس يأخذنا إلى فصل آخر بطله الرئيس الذي تدرّب على اللعب المسرحي وهو طالب صغير على يد مَن أصبحت زوجته. إيمانويل ماكرون، يوماً يقرّ ببقاء الأسد ويوماً يعود إلى التصعيد طالما لم يأخذ حصّته في إعادة الإعمار وحصة توتال في الطاقة، ويمضي برعاية أميركية إلى إحياء فزّاعة الأسلحة الكيمياوية مهدداً سوريا وروسيا معاً. عبر مجموعة كان قد وعد بتشكيلها مع الأميركي خلفاً لجماعة «أصدقاء سوريا» المرحومة. فيما تسعفه نيكي هايلي من هنا وريكس تيريلسون من هناك. والكل يتطلّع إلى إرغام سوريا على الالتفات غرباً بعد أن صرّح رئيسها بأنها تريد الالتفات فقط إلى الشرق.
بهذا نفهم كل هؤلاء خاصة إذا ما أضفنا إسرائيل ولوبيهاتها المنتشرة في دولهم إلى دوائر صنع القرار والتوجّهات لديهم. الطرف الثاني الذي لا يفهم عناده هو الأكراد. هؤلاء لم يستمعوا إلى العرض الروسي – السوري بتجنيب عفرين المعركة الدامية وتجنيب سوريا بالتالي معاناة دحر الاحتلال التركي. هم مسكونون بما زرعه في رؤوسهم برنار هنري ليفي وريث دانيال ميتران، وصديق إسرائيل التي لم تنفع الصلاة على علمها أمثالهم في شمالي العراق. مفهوم الديمقراطية لا يحتمل مفهوم العرقية – العنصرية، وأن تطوير الرؤية الوطنية يمضي باتجاه حقوق التنوّع ولكن ضمن الوحدة، فمواطنو الألزاس وبريتاني في فرنسا لهم لغتان خاصتان ولكن الدولة لا تتعامل في ثقافتها ومعاملاتها وتعليمها، إلا بالفرنسية. وهم لا يحتجّون على ثنائيّتهم .



