الديمقراطية والنخبة
ادهم ابراهيم
لا يمكن اختزال الديمقراطية بالانتخابات فقط لأنها قد تؤدي الى وصول عناصر غير كفوءة أو غير نزيهة الى سدة الحكم . ان الديمقراطية وجدت لاختيار النخبة من المواطنين لإدارة شؤونهم وأننا في هذا المقال نود ان نتطرق الى النخبة بمعناها الحرفي اي الاشخاص من ذوي القدرات الشخصية المختارة من المجتمع والتي تتميز بحسن الادارة والموهبة القادرة أكثر من غيرها على ادارة الدولة والمنتقاة من شرائح المجتمع المختلفة . وقد تطور مفهوم النخبة في ادارة الدولة والحكم منذ الامبراطورية الرومانية الى يومنا الحاضر . وفي المفهوم الاسلامي للنخبة هناك ايضا نظرية الخلافة أو الامامة وهي تعتمد أساسا على التميز القائم على الكفاءة والمعرفة والإدارة . وقد اعتمدت الدول الغربية بعد تطور مجتمعاتها الى اختيار النخب السياسية عن طريق الاقتراع السري كجزء من الاسلوب الديمقراطي الذي يعتمد أساسا على تقديس الحرية الشخصية واحترام رأي المواطن والتنافس على وفق الكفاءة وبرامج العمل للأحزاب. وفي المجتمعات الشيوعية تتحدد النخب من خلال الحزب الواحد والتقدم بالعمل الحزبي ويفترض ان الاكفأ هو الذي يتصدى للعمل السياسي المتقدم وصولا الى السلطة . أما في الدول الكولونيالية فأساس السلطة السياسية يقوم على النخبة العسكرية ومن ثم الانقلابات ، حيث يعتقد القائد العسكري انه الافضل في ادارة الدولة . وقد جرى ذلك في الدول المتخلفة أو النامية وتشمل الدول العربية . عدا الدول الملكية أو ما شابهها.
وفي العراق شكل الانكليز الحكومة من النخب الموالية لهم والتي استجابت لنظام الحكم الملكي بعد تنصيب الملك فيصل الاول ملكا على العراق . وقد تميز الحكم الملكي بتقريب الكفاءات من ذوي الأصول الاقطاعية أو البرجوازية . وتشكلت أحزاب بتوجهات ليبرالية مختلفة على وفق برامج عمل متواضعة. لقد كانت النخب السياسية في العهد الملكي على الاغلب تمثل الطبقة الوسطى من شرائح المجتمع العراقي في بغداد والمدن الكبرى. ومن المشايخ ورؤساء العشائر في المحافظات الاخرى. وقد كانت النخبة السياسية في العهد الملكي تسعى للانتقال بالعراق من مجتمع عشائري الى مجتمع ديمقراطي حديث . وقد تعذر الاستمرار بهذا النهج بعد الانقلاب العسكري الذي اطاح بنظام الحكم الملكي وتأسيس الجمهورية عام 1958 . وتم استبدال النخب السياسية المدنية بعناصر عسكرية. وقد كانوا يعتقدون انهم أفضل من هذه النخب المدنية في حكم وإدارة البلاد. وقد ثبت فيما بعد خطأ اعتقادهم هذا ومنذ ذلك الحين ساد الحكم العسكري في العراق فدخلنا في صراعات داخلية وخارجية لا متناهية الى يومنا الحاضر. لقد استمر حكم العسكر منذ الانقلاب على الملكية سنة 1958 لغاية الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003 والذي تمخض عنه تشكيل حكومات تضم وزراء وموظفين بعيدين عن الكفاءة والإدارة السليمة لمرافق الدولة والأدهى من ذلك ان هذه التجربة قد اشاعت مفاهيم الفساد الاداري والسياسي في مفاصل الدولة ، حتى تحولت الى مافيات حزبية وكتلوية في كل مناطق العراق بلا استثناء . وقد كنا نطمح بتقويم مسيرة الدولة العسكرية الى دولة مدنية متحضرة ، فإذا نحن أمام حكم اوتوقراطي متخلف . وساد الجهل والتخلف بعد ان تخلى الحكام الجدد عن الكفاءات العراقية المرموقة واستبدلوها بعناصر فاسدة .. وحاربوا كل انسان عراقي كفوء وغيور على بلده وشعبه بدعوات عديدة . وبذلك تم ابعاد النخب النزيهة من مختلف الطوائف والقوميات . زوروا الانتخابات وصادروا الحريات ثم حاربوا الثقافة. وبدلا من ان نتطور أسوة بدول العالم المتحضر انتكسنا انتكاسة كبيرة ، وغابت النخب السياسية والاقتصادية الكفوءة وحلت محلها عناصر وشخصيات مهزوزة تدعي المعرفة ، حتى حل الخراب في كل ارجاء العراق بمشهد مؤلم لا نظير له وكأن العراق قد خلا من العناصر الكفوءة والقادرة على ادارة الدولة وانطبق عليهم قول الشاعر
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم
ولا سراة لهم اذا جهالهم سادوا
المقصود بالـ»سراة» هم النخبة
لقد ادعى الامريكان ادخال الديمقراطية الغربية الى العراق . ولم يحصل الاخير من جراء ذلك سوى الانتخابات المزورة . أما وجوه الديمقراطية الاخرى من حرية التعبير وصيانة كرامة الانسان وتقبل الرأي الآخر والشفافية في اتخاذ القرار وتنشيط مؤسسات المجتمع المدني فقد غابت عن الأنظار اننا الان احوج ما نكون الى حكم النخبة والعناصر الكفوءة من ذوي الاختصاص في المجالات كافة . وان وصول النخبة الى سدة الحكم في اجواء الجهل والتخلف والمحسوبية والفساد يكاد يكون مستحيلا. وان الامر بحاجة الى فترة انتقالية يتدرج فيها الانسان العراقي للوصول الى المفهوم العلمي المتمدن للديمقراطية . وأول خطوة في هذا الطريق هي ضمان حرية الكلمة واحترام الرأي الآخر .. ثم الوصول الى النخب الثقافية والفنية والاقتصادية وصولا الى النخب السياسية . ويأتي هذا كله من خلال مؤسسات المجتمع المدني قبل القفز الى السلطة تحت غطاء الديمقراطية الزائفة . حيث ان هذه المؤسسات بما تتضمنه من نقابات وجمعيات مهنية ومنظمات شعبية وحركات شبابية ونسوية وثقافية وقادة الرأي ، قادرة على رفد الدولة بالنخب السياسية والمهنية اللازمة لإدامتها وتطويرها . حيث ان الدولة بلا نخب وطنية نزيهة تعد من الدول الفاشلة وتنقطع العلاقة بينها وبين الشعب الذي هو مصدر السلطات. وهذا هو حال العراق الان . وتبقى على عاتق الشعب العراقي مهمة الخلاص من هذه الطبقة الحاكمة بأية طريقة متمدنة ليشرع في بناء الوطن على اكتاف نخب كفوءة ونزيهة لإدارته وحكمه.



