دول الخليج .. مساعٍ خبيثة في العراق

د. جاسم يونس
يطرح المراقبون لماذا هذا التهافت الخليجي والتزاحم في الساحة العراقية للنفوذ في كواليس الإنتخابات البرلمانية لعام 2018 ؟، هل مستقبل دول مجلس التعاون الخليجي متوقف عليها ؟ أم هي سياسة الأمر الواقع لنقل صراع الإرادات ؟ أم هي سياسة وقائية خليجية لتأمين المستلزمات الانتخابية من أموال، ودعاية وتعبئة إعلامية سواء عبر شبكات التلفزة الفضائية الخليجية أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي للكتل السياسية التي تتعاطف معها ؟. تساؤلات مشروعة تحتاج إلى تحليل علمي وموضوعي لهذا الأمر بعيدا عن العواطف، وعن التحليلات التي تفسر الأحداث وفقا لنظرية المؤامرة.
تشير المعطيات إلى أن الخليجيين يريدون من خلال نفوذهم في الإنتخابات العراقية إحياء مشروع (الإقليم السني) مما يشجع إثارة النعرات العرقية والطائفية، بجانب (إقليم كُردستان)، وبذلك يتحقق ما خطط له الأمريكان من خلال (مشروع بايدن) سيئ الصيت لتقسيم وتفتيت الجسد العراقي إلى مكونات عرقية وطائفية، ولا يعرف الخليجيون أن توجههم في العراق سيرجع عليهم بالكثير من المشاكل والأزمات الداخلية بسبب حالة الفوضى وعدم الاستقرار في العراق التي ستنتج بعد إنشاء الأقاليم ، ولعل من أبرز تلك الأزمات فتح المطالبات الشعبية بتغيير الدساتير الخليجية بحالتها الحالية التي تؤمن انتقال السلطة إلى الأسر الحاكمة في دول الخليج الستة، وتغييرها على وفق التطورات السياسية في المنطقة بعد ثورات (الربيع العربي) عام 2011، وتقييد سلطات الحكام في الخليج وجعل سلطاتهم في بعض دول المجلس (ملكية دستورية) بدلا من السابق بكونها (ملكية مطلقة).
ومما يشجع الخليجيين على التدخل في الإنتخابات العراقية هو التوجه الأمريكي لدعم القوائم السنية مع الترويج بتراجع شعبية القوائم الشيعية، واحتراق الشارع العراقي في أغلب محافظات العراق في الوسط وجنوب العراق وحتى في العاصمة بغداد بعد تكرار إقامة المسيرات الاحتجاجية من قبل منظمات المجتمع المدني بعد ازدياد المتاعب للمواطن العراقي بسبب عدة ملفات متأزمة في البلاد، منها ازدياد الكلام عن ملف الفساد والمفسدين وضرورة تقديمهم للقضاء لمحاسبتهم، وملف تطبيق خصخصة الكهرباء والاستقطاعات على رواتب الموظفين والمتقاعدين وغيرها من الأزمات.
ومن المفارقات أن الذي يتصفح صفحات التواصل الإجتماعي يرى الكثير من الإشارات على وجود نفوذ خليجي بارز في العراق بصورة مباشرة أو غير مباشرة مع اقتراب الإنتخابات البرلمانية العراقية، منها على سبيل المثال لا الحصر انتشار شريط فيديوي مثير على صفحات الفيسبوك يعرض فيه لقاء إحدى المحطات العراقية مع نائب عراقي وهو يتحدث عن ما جرى له وهو موجود في قطر، حيث فاتحه السفير السعودي في الدوحة وعرض عليه ما سماها (بمساعدات سعودية) تتألف من آلاف الدولارات مقابل (ضرب الشيعة) وكانت إجابة النائب العراقي قد صعقت السفير السعودي بعد أن رفض طلبه جملة وتفصيلا، وقد استدرك النائب العراقي اللقاء بطرح تساؤل على السفير السعودي: «ماذا أعمل بهذه الأموال الطائلة» ؟ فأجابه السفير السعودي : «اشتروا الأسلحة وأضربوا الشيعة»!، وأجابه النائب العراقي: «هذا العمل يسبب القتل والدمار لأبناء شعبي وحتى لو كانوا من الشيعة هم أخوتي في الوطن ولا أقوم بذلك».
في الوقت الذي يقرأ المواطن العراقي أخباراً مفادها، أن السعودية طلبت من العراق فتح قنصلية في محافظة البصرة بجانب مشروع فتح القنصلية السعودية في مدينة النجف الأشرف، بجانب قنصلية السعودية في أربيل. وهذا بنظرنا يمثل نوعاً من التخبط في السلوك الخليجي لتثبيت النفوذ الخليجي في العراق في مواجهة تصاعد العلاقات العراقية – الإيرانية الذي فسره الخليجيون على أنه يمثل تهديداً لمصالحهم في العراق.
ولم يكتفِ النفوذ الخليجي في العراق على تلك المجالات، بل وصل إلى بعض وسائل الإعلام العراقية، وخاصة التي تتخذ من عمان ولندن وإسطنبول مقرات رئيسة لها، إضافة إلى مكاتبها الأم الموجودة في بغداد وأربيل، حيث تسربت أخبار عن تقديم السعودية إلى خمس وسائل إعلام عراقية هدايا مالية لتطوير ما وصفته بعض المصادر (بالخطاب الإعلامي الإيجابي والهادف)، ويبدو أن السعودية تعيد تكرار الأسلوب القطري في التحريض الجماهيري قبل أحداث ثورات الربيع العربي عام 2011 كما فعلت قناة الجزيرة القطرية في تونس، ومصر، وليبيا، وسوريا، وغيرها من الساحات العربية.
وقبل نهاية عام 2017 كشفت التطورات في المنطقة، وخاصة داخل دول مجلس التعاون الخليجي عن توجه خليجي جديد للتدخل في الإنتخابات العراقية خلاصته تشجيع تلك الدول، وفي أسلوب جديد تحت زعم المحافظة على الوحدة الوطنية العراقية من خلال تكوين (تحالف سني – شيعي) في تحالف انتخابي واحد بدعم خليجي، ولولا وجود تأكيد خليجي لذلك لتم إهمال هذا الاستنتاج والتحليل، حيث تحدث وزير الدولة لشؤون الخليج العربي بوزارة الخارجية السعودية ثامر السبهان إلى وسائل الإعلام ومنها صحيفة الشرق الأوسط السعودية في نهاية عام 2017 عن قرار المملكة العربية السعودية بشأن دعمها لتشكيل تحالف جديد سني – شيعي في العراق يهدف إلى تحقيق مصالح الأمة العربية عبر الفوز بأغلبية المقاعد البرلمانية العراقية. وهذا الأمر سيسبب لتلك الكتل المدعومة من السعودية إشكالية مع مفوضية الإنتخابات العراقية في حالة الكشف عن الدعم الخليجي، لأن قانون الأحزاب الجديد ينص على أن أي حزب يخضع لدعم خارجي سواء كان ماليا أو إعلانيا يسحب منه إجازة العمل السياسي، ويسقط حقه في المشاركة بالإنتخابات، على الرغم من صعوبة كشف ذلك لإحاطة الأمر بالكثير من السرية، إلا أن المراقب والمتابع لمحطات التلفزة الفضائية الخليجية سيرى فترات إعلانية مخصصة لأسماء لشخصيات عراقية مرشحة للانتخابات العراقية وتسويقها للمشاهد وخاصة العراقي للقبول بها والتصويت لصالحها كما حدث في انتخابات عام 2010، وعدم الترويج لشخصيات أخرى لا توجد وشائج وعلاقات متبادلة معها كما هو موجود مع الشخصيات سالفة الذكر.
إن بعض المراقبين يرجحون تصاعد التدخل الخليجي في المشهد الانتخابي العراقي مع قرب موعد الإنتخابات سعيا لكسب أكثر الكتل التي تميل إليها ومع طروحاتها، وضمان ولائها لها، لكن فسر مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت وهو معهد أمريكي موجود في المنطقة، حقيقة اهتمام الخليجيين بانتخابات عام 2018 إذ يقول «لأن العراق ليس بلدا صغيرا أو هامشيا، وبكونه يختزن ثاني أكبر احتياطي نفط في العالم، وبموقعه الجيوإستراتيجي بين تركيا وإيران والعالم العربي وعلى ضفاف مياه الخليج وشرعيته التاريخية العربية والإسلامية سيكون لمستقبله التأثير الكبير على العالمين العربي والإسلامي»، ويضيف المعهد «إن الخليجيين يخشون من هذه الإنتخابات، لأنه بلد معروف في العالم العربي وعالق منذ عقود بين براثن مختلف أشكال الحكم السلطوي والأنماط الراهنة، ثم أن الدعوات الداخلية إلى الإصلاح في هذه الدول وقعت على آذان صماء، فيما الضغوط الخارجية الدافعة باتجاه التغيير جوبهت باتهامات التدخل في الشؤون الداخلية، بيد أن العراق الديمقراطي إذا نشأ حتى ولو كان مضطربا وغير متكامل النمو سيكون مسألة أخرى.



