معضلة .. من يحاسب البرلمان ؟
مازن صاحب
اثارت أحد التحقيقات الاستقصائية التي نشرت في وسائل الاعلام تحت عنوان من يحاسب مجلس النواب ؟. التساؤلات كثيرة عن الإخفاقات التي واكبت العملية السياسية في دورتين انتخابيتين، وشمل الاستقصاء اراء برلمانيين وأساتذة قانون دستوري وممثلي مجتمع مدني ورجال دين، فكانت الحصيلة الأبرز ان لا سلطان قانونياً فوق مجلس النواب وتشريعاته إلا سلطة الشعب الذي يستطيع محاسبة ممثليه في عدم الاقتراع خلال الدورة البرلمانية المقبلة . تذكرت هذا العمل الاستقصائي خلال قراءتي لقانون اتحاد البرلمانيين، الذي كثرت بشأنه الاقاويل والتحليلات، سياسية كانت أم قانونية ، كما سبق وان تصاعد صخب الحديث عن امتيازات مجلس النواب ومجالس المحافظات، والجمهرة الغفيرة من الوظائف الفضائية تحت عناوين الترضية السياسية لهذا الحزب أو ذاك بعناوين مستشارين وما يصاحبه من تخصيص للعجلات والحمايات الشخصية ، صح هذا الصخب أو لا يصح، فالحقيقة الماثلة تبقى ان مجلس النواب السلطة التي تمثل الشعب لا تكشف بالكامل عن ذمتها المالية أمام هيأة النزاهة، وفي ذلك مثلبة دستورية غير مقبولة شعبيا ، وعلى ذات الخط ، لا يعلن مجلس النواب كشفا بمصروفاته المالية على موقعه الالكتروني عملا بمبدأ الشفافية ، كمثال يحتذى به في الكشف عن مصروفات السلطات الأخرى تنفيذية كانت أم قضائية وبالرجوع الى ذلك التحقيق الاستقصائي، فان صخب الاعتراضات الشعبية أيامها قد تحول الى اقتحام للمنطقة الخضراء، وانتهى الى تسويات ببرنامج إصلاحي كبير، مازال باب الفساد فيه مشرعا، حتى ان الكثير من التصريحات الرسمية تعلن في مضمونها ان الحرب على الفساد بحاجة الى فتوى جهادية، فهل يتجاهل الذوات أعضاء مجلس النواب في تشريعهم لقانون اتحاد البرلمانيين غضب الشعب أم ان مصالحهم فوق مصلحة ناخبيهم ؟.
المعضلة الثانية، ان التصريحات الرسمية عن فعالية مجلس النواب في تشريع القوانين، والرقابة على الدولة، قد أنجزت الكثير من التشريعات والأكثر من الاستجوابات لوزراء، لكن هناك أكثر من 50 لجنة تحقيقية في جرائم وأحداث كبرى وجريمة سبايكر المثال الأبرز والكثير من القضايا التي شكلت لجان تحقيق لم تعلن على موقع مجلس النواب ليطلع الشعب على شفافية عمل ممثليه وتحديد الجهات المسؤولة عنها ، ناهيك عن نموذج سقوط النصاب القانوني عند مناقشة قناعة الأعضاء باستجواب بعض الوزراء ، ويتكرر السؤال عن مفاسد المحاصصة التي تتجاوز على مصالحة الامة التي غمس الناخبون اصابعهم في الحبر البنفسجي لتمثيلهم ، فانتهى الامر الى تمثيل مصالح احزابهم وأجنداتهم فقط دون وجود عقد اجتماعي وطني يقدم مصلحة الامة على مصالح الأحزاب ، هكذا ظهرت فكرة الانفصال الكردي، وهكذا تجاوز الدين العام العراقي حدود الـ130 مليار دولار وتتجاوز خدمة الدين العام حدود 10 مليارات دولار، فيما انحصرت مهمة الذوات ممثلي الشعب في التصويت على قانون دون خلافات سياسية ، فقط كونه يمثل مصلحة جماعية لهم بالضد من مصلحة الامة التي مازال فيها طلاب مدارس يجلسون على الأرض في بناء طيني مقابل امتيازات غير معروفة في قانون اتحاد البرلمانيين لكل الطبقة السياسية منذ مجلس الحكم حتى الدورات المقبلة.
المعضلة الثالثة، جهل الناخب بحقوقه الدستورية واقتصار مدى رؤيته لمستقبل وطنه وأجياله عند فئته الطائفية أو القومية أو المناطقية، وإفشال روح المصالحة المجتمعية وحصرها في مؤتمرات تشارك فيها أحزاب الطبقة المتصدية للسلطة ذاتها، انتهى الى تمزيق المجتمع حتى ان من يوصفون بالطبقة المثقفة لا تستطيع مغادرة فضاء الطائفية السياسية الى فضاء العقد الاجتماعي الوطني، وهذا كعب أخيل الذي تمتطي الطبقة السياسية صهوته لضمان ديمومة تربعها على عرشها ولله في خلقه شؤون.



