اراءالنسخة الرقمية

ستون ثانية لتنمية عادة القراءة

حسن آل حمادة
الفكرة التي نتبناها ونرغب في تطبيقها عملياً تندرج تحت عنوان: «ستون ثانية للقراءة» يومياً، وهي ببساطة تعني أن يخصص الفرد (دقيقة واحدة) من يومه للقراءة، وما نتوقعه أن الإنسان الذي يرغب في تطبيق هذه الفكرة بجدية؛ فهو بطبيعة الحال لن يكتفي بدقيقة للقراءة فقط، بل سيقرأ ما لا يقل عن عشر دقائق، أو أكثر في يومه، فللقراءة سحرها، وما علينا إلا أن نبدأ الخطوة الأولى لنتلمس (لذة القراءة وحلاوة المعرفة). فـ«من تسلى بالكتب لم تفته سلوى»، كما روي عن الإمام علي ابن أبي طالب (عليه السلام).
ومن أراد أن يجرب هذه الفكرة فليمارسها عملياً بدءاً من اليوم، وسيفاجأ أنه لن يكتفي بالدقيقة المقترحة، وإن حاول إجبار نفسه على التوقف بعد انتهاء الدقيقة؛ لأنه قد يجد أن الفكرة التي يقرؤها لم تنقطع بعد، فهو يريد أن يصل لآخرها وتمامها، تماماً كما يحدث لمن يشاهد فيلماً سينمائياً أو مسلسلاً تلفزيونياً، فكلما شاهد مقطعاً أو حدثاً انتظر تتمته، وقد أخبرني بعض الأشخاص أنهم على استعداد أن يجلسوا جلسات متواصلة لمشاهدة بعض المسلسلات الجميلة لو تيسّر لهم الحصول عليها مسجلة.
ولا أقول جديداً لو قلت: إن علامات الغضب قد ترتسم في وجوهنا -أحياناً كثيرة- عندما تتخلل الإعلانات التجارية مسلسلاتنا المفضلة.. أليس كذلك ؟!.
فما بالنا لا نقبل بهذا الحماس على القراءة، وهي أمر إلهي؛ إذ يخاطبنا الله -سبحانه وتعالى- بقوله: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ(2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ(3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ(4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ(5)» (العلق: 1-5).
القراءة تصقل شخصية الإنسان
لا يخفى أن موضوع القراءة الحرة لدى الشباب يُعد من الموضوعات الحيوية الجديرة بالدراسة والمناقشة، لما تمثله هذه الشريحة من قوةٍ في أي مجتمعٍ من المجتمعات؛ إذ إن الأمم القوية تقوم على سواعد شبابها الأكفاء المرتوية من نمير العلم والمعرفة.
وثمة ضرورة ملحة تدفعنا للحديث عن واقع الشباب والقراءة الحرة، وهذه الضرورة تكمن في أن الشاب بلا قراءة = الفراغ الفكري والثقافي، مما يجعله عرضةً للارتواء من أي نبعٍ كان لذا نحن نميل للرأي القائل بضرورة الاحتماء بالقراءة/الوعي، لمواجهة أي عائق، ولتجاوز أي نوعٍ من السدود.
ومن الأمور المسلَّم بها أن الشاب القارئ، هو شابٌ قادرٌ على أن يعيش عصره، ليبقى منتجاً فعَّالاً، وقبل ذلك نجده ذا شخصية قوية، فالقراءة -وكما هو ملاحظ- تسهم بدرجة كبيرة في صقل شخصية الإنسان، والارتقاء بطريقة تفكيره، ورسم واقعه الاجتماعي، كما أنها تسهم في تنمية الاتجاهات والقيم المرغوب فيها لدى الشباب.
وعندما نوَدُّ الحديث عن العلاقة المتبادلة بين الشباب والكتاب؛ فأظن أننا سنخلص إلى كونها علاقة سلبية، تتمثل في رفض الشاب للركون إلى الكتاب الذي عُدَّ يوماً ما «خيرِ جليسٍ للإنسان»، ومن أراد أن يتأكد من صحة هذا الادعاء؛ فليسأل أقرب طالبٍ إليه، من الطلبة الذين لا يزالون يدرسون في المرحلة الثانوية أو الجامعية؛ ليسمع الحقيقة المرة بنفسه.
لقد تحدثت شخصياً عن هذه الفكرة في أكثر من إصدار، ومنذ أن وفقني الله لنشر عملي الموسوم بـ«أمة اقرأ… لا تقرأ»، وأنا أتتبع -قدر الإمكان- الكتب والدراسات التي تُعنى بموضوع القراءة والكتاب؛ وقد لمست من خلال تجارب شخصية -مع شديد الأسف- أن الطالب ربما يتخرج من دراسته في المرحلة الثانوية، وهو بعد لم يتمم قراءة كتابٍ واحدٍ بطوعه واختياره وهذا الأمر بطبيعة الحال يُحَّمِّلنا جميعاً المسؤولية، من أجل الإسهام في وضع الخطط والمشروعات العملية؛ المبنية على الدراسات النظرية والميدانية؛ لنعمل سوياً على نشر عادة القراءة في أوسع نطاقٍ ممكن. فما دمنا نقول: إن العلاقة سلبية، فهذا الأمر، يُحتِّم علينا البحث في جذور المشكلة لوضع العلاج المناسب والملائم لها؛ علماً بأن مسألة العزوف عن القراءة ليست مشكلة فئة الشباب، بل هي مشكلة المجتمع بأسره، وربما كان تركيزنا على هذه الشريحة بالذات، كون الشباب هم الجهة المعَّول عليها من أجل المبادرة لتغيير واقعها والمجتمع معها إيجابياً، عبر احتمائها بالقراءة(1).
لماذا لا نقرأ ؟
لو سألت هذا السؤال لمواطن (عربي) -عادةً-؛ لتفاجأ وربما ابتسم ابتسامة عريضة لأنه يتوقع أن تسأله: أين ستسافر؟ أو: ماذا تشاهد من مسلسلات؟ أو: أي فريق رياضي تشجع؟ وغير ذلك من أسئلة يحسبها تدخل في قائمة أولوياته.
ولو توجهت بالسؤال نفسه لمواطن (غربي)؛ لتفاجأ وربما ابتسم ابتسامة عريضة أيضاً ليعقبها بضحكة مدوية؛ لأنه يمارس القراءة كغذاء يومي، وربما حسب هذا السؤال طريقة لتمضية الوقت لا أكثر.
ففي واقع مجتمعنا العربي -للأسف- نجد أن العقلية (الكروية) لدى الشاب هي الطاغية بدلاً عن العقلية (القرائية)؛ فالكثير من أبناء مجتمعاتنا همهم الوحيد وتطلعهم الأمثل يكون منصباً باتجاه الرياضة ونجومها ؟! وإن قرأوا فإنهم يقرؤون في مجال الرياضة (البدنية) فقط!! وأما الرياضة (الفكرية والعقلية) فلا محل لها من الإعراب. لذا نحن نأمل أن يحظى موضوع (القراءة) بتركيز مكثف في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، وكذا في مقررات التعليم، بدءاً من رياض الأطفال مروراً بالمدرسة وانتهاءً بالجامعة؛ لتصبح القراءة عادة نمارسها طوال الوقت، لنرتقي بها في الدنيا والآخرة معاً، فالشعوب المتقدمة هي شعوب قارئة، كما لا يخفى.
الكتاب ليس المورد الوحيد للمعرفة
عندما ندعو للقراءة فلا نغفل الإشارة إلى أن الصحيفة والمجلة والكتاب والإنترنت، يكمل كلٌ منها الآخر؛ فنحن بحاجة للصحيفة اليومية لقراءة الخبر الموجز، والتحليل المناسب والسريع للأحداث، كما نحن بحاجةٍ لقراءة المقالة القصيرة، والقصة، والقصيدة، وقد نقرأ هذه الأمور في بعض المجلات أيضاً. ولكن، تبقى للكتاب خصوصيته، وتميزه في طريقة العرض والمعالجة والعمق، ويكفي أن يقول أحدنا بأنني قرأت كتاباً، فتلقينا للخبر حينها يختلف، ولو كان هذا الكتاب منشوراً على صفحات إحدى الصحف أو المجلات مسبقاً. فنحن بحاجةٍ ماسة، لكل هذه الأمور لننمو نمواً سليماً، ومن يراهن على مصدر واحد للمعرفة فسينمو مفتقراً للعقل المتكامل السليم؛ فكما أن الجسم يحتاج لأنواع عديدة من المواد الغذائية؛ فالعقل كذلك يحتاج لأكثر من مادة وطريقة لتنميته؛ فكما نختار لبطوننا أفضل الأكلات ينبغي أن نختار لعقولنا أفضل الأفكار.
فالكتاب بشكله التقليدي المطبوع -إذن- لم يعد المورد الأول للمعرفة، فنحن لا نستطيع أن نستغني عن الإنترنت والفضائيات على سبيل المثال، فالمورد الأول هو المعلومة المفيدة في أي وعاءٍ -من الأوعية- خرجت (2).
ولكي يصبح الفرد منا مثقفاً.. عليه أن ينفتح على مختلف أوعية المعلومات، بصفته قارئاً ومستمعاً ومشاهداً، ومن الجيد أن يناقش الآخرين ويُحاورهم؛ ليؤصل بذلك أفكاره.
أخيراً: استحضر هذه المقولة:
نعم الأنيس إذا خلوت كتابُ .. تلهو به إن ملك الأحبابُ
لا مفشياً سراً إذا استودعتهُ .. وتنال منهُ حكمة وصوابُ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى