اراءالنسخة الرقمية

ننتخب .. أم لا ننتخب ؟!

د. محمد فلحي
سؤال قد يبدو مبكراً، لكنه يلخص جوهر العملية الديمقراطية، فقد نصت المادة (20) من الدستور العراقي على أن للمواطنين رجالاً ونساءاً حق المشاركة في الشؤون العامة والتمتع بالحقوق السياسية بما فيها حق التصويت والانتخاب والترشيح».. وإذا ما عرفنا أن عملية انتخاب مجلس النواب تمثل نواة النظام السياسي التي تنبثق منها السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، فأن المشاركة في الانتخاب تعد حقاً وواجباً في آن معاً، على كل مواطن مؤهل، برغم أن مبدأ الحرية يسمح لكل شخص الامتناع أو العزوف عن الانتخاب، على وفق رأيه وقناعته الشخصية، ولا شك أن ارتفاع نسبة المشاركة في الانتخابات يضفي على النظام السياسي مشروعية ومصداقية والعكس بالعكس. تنطلق العملية الانتخابية عادة قبل أشهر عدة، من موعد الانتخابات وذلك من خلال تسجيل الكيانات السياسية في المفوضية العليا المستقلة للانتخابات ثم اعلان التحالفات بين الاحزاب، وبعدها تعلن المفوضية اسماء وأرقام الكيانات السياسية والمرشحين ترافقها عادة حملات اعلامية ودعائية وإعلانية تهدف إلى اقناع الناخب بتجديد معلوماته في السجلات الانتخابية والمشاركة في الانتخابات في موعدها المقرر دستوريا وفق المادة (56) من الدستور،على أن «يجري انتخاب مجلس النواب الجديد قبل خمسة وأربعين يوما من تاريخ انتهاء الدورة الانتخابية السابقة» علماً أن مدة الدورة الانتخابية هي أربع سنوات تقويمية. جوهر عملية الانتخاب هو الاقناع والاقتناع، ويفترض أن تتمحور العملية الاقناعية عبر كل وسائل الاعلام، ومن أهمها اليوم القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي، حول مسارين: أولهما اقناع الناخب بجدوى الانتخابات وأهميتها في تكوين النظام السياسي وتفعيله، ومن ثم واجب المواطن في الذهاب الى صناديق الاقتراع ووضع صوته فيها، وثانيهما حسن الاختيار لكل مرشح حسب مؤهلاته وكفاءته واستعداده لتمثيل الشعب والدفاع عن مصالحه. في ظل التجاذب السياسي السائد في العراق، برز خلال الأسابيع الماضية اتجاهان في مجلس النواب حول اقرار موعد الانتخابات المقبلة، الأول يؤكد ضرورة الالتزام بالتوقيت الدستوري الذي اقترحته المفوضية ورفعه مجلس الوزراء الى مجلس النواب، وهو يوم الثاني عشر من شهر أيار المقبل، والثاني يطاب بتأجيل الانتخابات إلى مدة تتراوح بين ستة أشهر او عام كامل،ولكل طرف مسوغاته دون شك،ولكن يخشى أن يمتد هذا الانقسام السياسي إلى وسائل الاعلام والرأي العام، فيؤدي الى انعكاسات سياسية/ نفسية خطيرة تزعزع قناعة الناخبين في جدوى الانتخابات والمشاركة فيها، وارتفاع نسبة (العزوف الانتخابي) ننتخب أم لا ننتخب؟!.. ليس سؤالاً افتراضياً،بل هو نابع من بؤرة المشهد السياسي، ويعبر عن طبيعة القلق الذي يشغل عقل المواطن،أمام خيارين كلاهما صعب في مرحلة التمهيد للانتخابات، ويفترض ان تبادر وسائل الاعلام الوطنية إلى رسم تفاصيل ذلك المشهد بطريقة موضوعية، بلا انحياز حزبي أو طائفي أو عرقي، لكي تساعد الناخب على اتخاذ قرار المشاركة الفاعلة في الانتخابات، لأن الامتناع يمثل موقفاً سلبياً يتناقض مع أهم مبادئ الديمقراطية وهو الارادة الشعبية، التي تصنع التغيير والإصلاح، بعد أن انتهى زمن الانقلابات العسكرية والدبابات والبيانات السياسية.
لا خلاف ان اية انتخابات في العالم تشهد مشاركة وعزوف أو مقاطعة احيانا من المعارضة تارة ومن الغاضبين أو الرافضين للسياسات المتبعة تارة اخرى… ولكن للتجربة في العراق خصوصية فلا معارضة داخلية في البلاد اولا؛ والجميع مشارك في الانتخابات ثانيا؛ وممثلا بها بطريقة مباشرة أو بأخرى عبر مفوضية الانتخابات. والأبواب مفتوحة بحسن الاختيار ثالثا؛ ومشرعة للتغيير أمام المواطن دون تقييد. ومع غياب البديل اولا؛ والخوف من التزوير ثانيا؛ والخشية من تكرار الوجوه ثالثا؛ وتكرار السياسات المتبعة رابعا… ينطلق دعاة المقاطعة في مواجهة دعاة المشاركة والتغيير… والحقيقة الامر مازال طبيعيا لان دعاة المشاركة هم الطرف الأرجح لحد الان وهم وكل المؤسسات الرسمية والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات وجميع القوى المدنية الفاعلة يجب ان يعملوا على بث صورة ناصعة عن نزاهة الانتخابات والإجراءات الكفيلة بمنع ورصد حالات التزوير بشفافية ويجب ان يعمل الجميع على توعية المواطن وأهمية قراره أمام صناديق الاقتراع بوصفه الوسيلة الأمثل لمستقبل أفضل.
لكن برغم كل ذلك تبقى المعادلة غير متوازنة وتبقى الأشهر الاربعة المتبقية هي الفرصة المناسبة لإقناع الناخبين بالمشاركة وتفتيت وطمأنة المقاطعين، لان اية انتخابات ناجحة هي الطريق الامثل للتغيير في الوجوه والسياسات وأية انتخابات ناجحة ومثالية هي التي تخلو من اية مقاطعة واسعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى