ليلة من ليالي البنفسج
مهدي عزيز
وأنت تقرأ عنوان المقال لعلك تأخذ نفسا عميقا وترتل في خيالك معلقة مظفر النواب وينتابك الجمال حتى تكمل ما أكتبه من قبح .
البنفسج الأغنية صارت مجرد حبر على وجع تغمس به أصبعك وأنت تنتخب وتمسح يدك في أقرب حائط والمسح هنا معنوي وليس ماديا فالمناديل الورقية تعودنا عليها كثيراً في مجالس العزاء وصارت ثقافة شائعة عند الناس ومن يمسح أصبعه الملطخ بالحبر في الحائط يجب أن تمسح الأرض به .
أنا عن نفسي أكره كل الصناديق والأقفال وحتى المفاتيح وكأي عراقي مستباح من شاء يدخلني فأنا لا أملك خصوصية في كل شيء وكأني العراق ، والصناديق عندي تشير إلى الموت والتشييع وعند رؤيتها أتخيل نفسي محمول على أكتف الأحبة ومن يدري ونحن في بلد عزرائيل قد ينتهي بي الأمر بكيس نفايات وفيه شيء مني …
أتذكر عندما ذهبت للانتخاب في يوم الانتخابات السابقة نشرت منشورا في صفحتي الشخصية في الفيس بوك ، صورة لأصبعي البنفسجي وكتبت عليها (مو چني منتخب چني مسجل هاترك على السعودية) كانت غايتي من المنشور تحفيز أصدقائي للذهاب إلى مراكز الاقتراع قبل غلقها واستجاب الكثير منهم وصاروا يعيروني اليوم بعد كل حادثة أو انفجار أو خيانة جديدة ، لا أعرف كيف سأقنع أصدقائي هذه المرة وبالأحرى كيف سأقنع نفسي هذه المرة ، المشكلة ليست بممارسة عملية الانتخاب المشكلة في الوجوه الملاصقة للصناديق وتأبى مفارقتها ، نفسية المواطن لا تتقبل فكرة الذاهب للانتخاب وكيف تتقبل الفكرة في ظل هذا الوضع الاقتصادي المتقشف أو الإرهاب الذي يرهبنا متى ما يشاء أو السياسة التي أفقدتنا إنسانيتنا بالأشياء ، الناخب بحاجة إلى تحضير نفسي وإعادة ضبط المصنع حتى يكون جاهزاً ، يمكن أن يغير رأيه ويذهب الناخب للانتخابات إذا ما وضع المرشحون أسماءهم على صور الشهداء المعلقة في كل مسامات العراق أو في فايلات الأرامل المنتشرة في كل شبر من وجع العراق أو يحفظون أسماءهم للأمهات الاتي يخرج عويلهن من كل زقاق ، نفسية الناخب محتاج لصوت وهو يرتل (شعطلك شبطاك) كي يسمعها قبل إن يدخل للمركز الانتخابي حتى يطمئن ويصوت بمنتهى القصب ، القصب الذي يأبى القص والاستسلام مهما ضحكت عليه (المناجل) والمرشحون .
الغاية من ثورة البنفسج هي التغيير والتجديد في الإدارات الحاكمة للبلاد ، لكن في العراق بلد التوابع ، الانتخابات عبارة عن تجديد الولاء والطاعة ففي كل انتخابات تتغير بعض الوجوه لكن الإدارات باقية وتتمدد ، وكأن المرشحين دومينة يتبادلها رؤساء الكتل على رؤوس العراقيين فالـ(دوشيش) الميت في يد هذه الكتلة في الدورة السابقة صار أمل الفوز في هذه الدورة بيد كتلة جديدة ولا يوجد من يقفل (يربط) اللعبة الآن الجميع بيده أرقام فساد لا تحسب ولا تسجن وفي محاسبتها يخسر الجميع .
بالنتيجة النهاية الانتخاب قناعة ولكن قناعة تختلف عن تلك الكنز التي لا تفنى وهذه تفنى بالتجربة ويجب أن تتجدد قناعة الناخب في كل دورة انتخابية ، وتجديد قناعة الناخبين في العراق تحتاج إلى عصا موسى وهدهد سليمان وناقة صالح وكل هذا وأكثر عند مرشحينا المنزّلين فكلهم تيجان رؤوس عامرة وللحديث تناقض .



