التقوى والحريّة
أنّ الإنسان لكي يحيا حياة إنسانيّة بعيداً عن حياة الغاب، لا بدّ له من التقوى، بمعنى أن يحافظ على نفسه في قبال الأهواء والشهوات الّتي تدعوه إلى مخالفة ما رسمه لنفسه من خط سلوكيّ يوصله إلى هدفه المنشود.
ومن هنا نعرف أنّ التقوى لا تختصّ بالمتدينين من الناس، بل هي من مستلزمات الإنسانيّة. وهكذا صرنا نسمع بالتقوى الاجتماعيّة والتقوى السياسيّة وما أشبه ذلك، وإن كان للتقوى الدينية ما ليس لغيرها من السموّ والقدسيّة والمتانة، فالإنسان الّذي يريد أن يصل إلى السموّ ويخرج من شريعة الغاب عليه أن يتحلّى بملكة التقوى، فهي ذات بناء قويّ ومستحكم لا يمكن أن يقوم إلّا على أساس من الدين والإيمان المتين بالله، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾. وهنا قد يسأل البعض ممّن يألفون الحريّة وينفرون من كلّ ما يضع عليها الحدود والقيود: أ ليست التقوى قيداً قد أُعدّ لتكبيل البشر؟ والجواب: إنّ التقوى ليست قيداً، بل هي صيانة للنفس وللروح، وإن شئت أن تسمّيها قيداً فقل هي قيد صائن. وليس كلّ قيد قبيحاً ومرفوضاً، فالبيت ـ بسقفه وجدرانه ـ يقيّد حركة الإنسان، ويحدّ من حريته في الاستمتاع بالهواء الطلق، وبما يحيط به من مظاهر الجمال، ولكنّه قيد صائن له من حرارة الشمس وحرّ الصيف وبرد الشتاء. والتقوى كذلك، فهي كاللباس للجسد، تحمي الروح وتصونها من كلّ ما من شأنه أن يكون خطراً عليها، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة حيث قالت: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ . ولأمير المؤمنين عليه السلام تعبير أرفع من هذا, إذ يعتبر التقوى علّة وسبباً للحريّة الكبرى، فيقول: «فإنّ تقوى الله مفتاح سداد، وذخيرة معاد، وعتق من كلّ ملكة، ونجاة من كلّ هلكة، بها ينجح الطالب، وينجو الهارب، وتنال الرغائب» .
فالتقوى تحرّر الإنسان من قيود العبوديّة للرغبة والهوى، وتخلّصه من سلاسل الحرص والطمع والحسد والشهوة والغضب، وبالتالي تجعله حرّاً في حياته الاجتماعيّة، فمن يكن عبداً للمقام والجاه سيكون عبداً لمن يمنحهما له، والعكس صحيح. قد يخطئ البعض، فيعتقد أنّ التقوى ـ وبما أنّها حرز وحصن وصائن للإنسان ـ لا تحتاج إلى حراسة وصيانة، ويظنّ أنّه بإمكان الإنسان المتقي أن يعيش في أجواء الفساد والرذيلة دون خوف من الانحراف والمعصية. والحقيقة أنّ ذلك وهم كبير، يقع فيه هذا البعض, فالتقوى تحتاج إلى حراسة وصيانة لكي تبقى وتستمر. وإلى هذا المعنى أشار أمير المؤمنين عليه السلام: «ألا فصونوها وتصوّنوا بها» . فإنّ أخطاراً كثيرة تحيط بالتقوى من كلّ جانب، ومن شأنها ـ إذا لم يتنبه لها الإنسان ويبتعد عنها ـ أن تزلزل كيان التقوى عنده, فإنّ التقوى قد تحول بين المرء ومعاصٍ كثيرة، ولكن بعض المعاصي ذات الجاذبيّة الأقوى لا يمكن للتقوى وحدها أن تحول بينها وبين الإنسان، وعليه فلا بدّ من ممارسة أسلوب آخر لتجنّب تلك المعاصي، ألا وهو الابتعاد عن الأجواء المغرية والدافعة نحو المعصية، وبهذا نحافظ على التقوى ونصونها من أن تنهار أمام ضغط الغريزة وقوّة الشهوة.



