بعد الاعلان عن الائتلافات المشاركة في الانتخابات المقبلة .. الأحزاب السياسية و «الانتحار السياسي»

محمود الهاشمي
تعرف العملية السياسية على انها السبيل الذي من خلاله تتم معالجة المشاكل والأزمات التي يمر بها البلد , كما انها تعمل على ايجاد الخطط المناهج الكفيلة بنهضة اقتصادية وسياسية واجتماعية , وبالشكل الذي يؤمن سلامة ورقي الانسان والوطن , وتعد التجربة الديمقراطية الأساس الذي ترتكز عليه العملية السياسية بوصفها تمثيلا لإرادة الشعب في اختيار ممثليه لإدارة البلد خلال فترة من الزمن , لذا تعوّل الشعوب في كل دورة انتخابية على مجيء نخب سياسية تستطيع أن تعالج واقعه وأن تأخذ بيد الشعب الى حيث الرفاه والأمان والاستقرار .
وقبل أن تباشر الاحزاب السياسية في التوجه للمشاركة بالانتخابات لابد أنها قد قرأت الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي للبلد , وأعدت خططها لمواجهة جميع التحديات , لسببين الاول لأن هذا هو واجبها الذي تتحمل فيه المسؤولية خلال الدورة التشريعية المقبلة والثاني أن تحافظ على تاريخها وسمعتها من أجل إدامة وجودها السياسي . وهذا الاستعداد للانتخابات يتم عبر سلسلة طويلة من الاجراءات والدراسات التي تزودهم بها العقول من خبراء ومستشارين وغيرهم وكل حسب اختصاصه .
في العراق بعد أن أعلنت مفوضية الانتخابات غلق تسجيل التحالفات السياسية والاستعداد لخوض الانتخابات في ايار القادم , يكون المشروع السياسي العراقي قد تجلى واضحا لدى ابناء الشعب العراقي , فجميع الاسماء والتحالفات التي أعلنت عنها المفوضية معلومة لديهم , وهناك اسماء قليلة جدا ربما تم التعريف بها من قبل الاعلام العراقي من قبل .
الخطأ الجسيم الذي ارتكبته الأحزاب السياسية التي كانت ومازالت متصدية للعمل السياسي في العراق انها لم تستفد من تجربتها السابقة سواء خلال عملها في السلطة التشريعية أو التنفيذية , وأن أغلبها سارعت الى الائتلافات والتقديم في اللحظات الاخيرة , وهذا يعود للأسباب الاتية:-
1- انها أحزاب منغلقة على اسمائها وعناوينها وأفكارها وتجربتها وتخشى عملية الانفتاح على المجتمع لإضافة شخصيات وأفكار قد تكون سببا في تطوير تجربتها.
2 – ليس لديها أفق في دراسة التجربة العملية التي مرت بها في ادارة البلاد من قبل لغرض الاصلاح والتغيير .
3- تعتقد أن عدم وجود نص في الدستور يحدد نسبة المشاركة في الانتخابات كفيل بإعادتها الى السلطة .
4- لما كانت أغلب الشخصيات المشاركة في العمل السياسي في دائرة الاتهام بالفساد الاداري والمالي الضارب في مفاصل الدولة , فترى من الخطر ترك السلطة الى الاخرين فقد يكونون سببا في كشف فسادهم .
5- على مستوى العلاقات الخارجية فأنها بقيت منغلقة على ذات العلاقات القديمة ولم تجنح الى علاقات أخرى ولا على تجارب دول أخرى لغرض تطوير تجربتها سواء في برامج الانتخابات أو في فن ادارة الدولة .
6- الاحزاب في الدول العربية عموما تكاد أن تكون متشابهة في انها لم تستطع أن تطور تجربتها بل ليس لديها مشروع دولة حتى هذه اللحظة , والعراق جزء من هذه الدول .
7- لم أشهد لأي من الاحزاب العراقية مركز دراسات علمي وعملي كما هو معمول به في دول العالم المتقدمة لكي يقدم لهم المشورة والنصيحة ويقدم لهم الرؤية المستقبلية سواء في مجال السياسة أو الاقتصاد .
8 – معظم كوادر الاحزاب السياسية في العراق من مزدوجي الجنسية وأسرهم تعيش في بلدان أخرى , لذا فأن تفاعلهم مع الوطن وأبنائه تكون ضعيفة , وليس لديهم حماس في (المغامرة) في الانفتاح وغيرها ضمانا لامتيازاتهم الخاصة لا غير .
9- كان من المفروض للأحزاب السياسية في العراق , ان تستفيد من الكوادر الشبابية في اضافة طاقة لبنيويتها وروحها , فيما مازالت (تشيخ) دون ادنى دماء جديدة .
10- مازالت (العقلية الشرقية) تهيمن على قيادات الاحزاب الحاكمة في العراق في روح التسلط والهيمنة لذا فأن أية اضافة جديدة لا تتحمل ربما وزر انتقادها أو المطالبة بالتغيير أو الخروج عن طاعتها .
وفقا لما اسلفناه من نقاط فأن الشعب العراقي , تلقى صدمة كبيرة وهو يتطلع عبر صندوق الاقتراع الى التغيير والتخلص من وجوه يعتقدها انها سبب في فشل التجربة السابقة ووراء الفساد الاداري والمالي وما حدث للبلد من ويلات , وبذا فنحن أمام مرحلة خطيرة . أن القراءة الاولية لخارطة الاحزاب والائتلافات تؤشر انه ليست هنالك من كتلة تستطيع أن تشكل أغلبية في البرلمان بل العكس فأن عدد الاحزاب والتشظيات التي حدثت ستجعل تشكيل ائتلاف واسع شبه مستحيل , وبذا سنغرق لأشهر بعد الانتخابات في تشكيل الحكومة والتي ستتوزع امتيازاتها على خارطة حزبية اوسع ونعود الى ذات المسببات للفشل (التوافق والشراكة).
أعتقد أن الاحزاب السياسية في العراق , قد وقعت في معترك خطير يؤشر الى مخاطر مستقبلية وتحديات , ربما تفر منها شخصيات سياسية وأحزاب كونها معقدة وستجعلك في مواجهة مباشرة مع الشعب وهنا نسأل هل ان الاحزاب السياسية قد قرأت التحديات الاتية التي يمر بها البلد قبل الاشتراك بالانتخابات :
1- البلد غارق في ديون خارجية للبنك الدولي بمبلغ 130 مليار دولار وعليه تسديدها.
2- البلد يشهد بطالة هائلة لا تقاربها فيها دولة مجاورة أو بعيدة حيث وصلت الى 20% خلال هذا العام 2018 وان البطالة في اطراد لان البنك الدولي فرض على العراق ان لا يتم تعيين موظف في دوائر الدولة حتى عام 2022.
3- هنالك ستة ملايين نازح عراقي.
4- البنى التحتية ومنازل المواطنين في المناطق التي جرت فيها المعارك مع الارهاب مازالت على حالها .
5- المصانع والمعامل متوقفة عن العمل وتحتاج الى مبالغ عالية لإعادة تأهيلها .
6- عدد الاميين في العراق قد تجاوز التسعة ملايين .
7- الفساد الاداري والمالي ضارب في البلد حتى صنّف العراق الثاني عالميا .
8- المواطن فاقد للثقة بجميع السياسيين ويحملهم مسؤولية الفشل الذي رافق العمل السياسي وجميع تداعيات ذلك .
9- حجم التدخلات الكبيرة الاجنبية في الشأن العراقي .
10- أغلب مؤسسات الدولة تديرها شخصيات غير كفوءة .
11- تركيا ستحتفظ بنسبة المياه الداخلة للعراق من 20% الى 30%.
12- الزراعة والصناعة في البلد تشهد كسادا وتراجعا كبيرا .
13- العراق يشكل الرقم الاكبر عالميا في عدد الارامل واليتامى .
14- أتباع داعش وحواضنه مازالوا يشكلون خطراً على العراق ومستقبله.
أنا أعلم جيداً أن الأحزاب السياسية في العراق غير معنية بكل التحديات التي اسلفتها فيما تطمح أن تحصل على أي منصب ولو ادارة بلدية من أجل ضمان حصولها على الاموال لتمويل نفسها , وهذا الأمر فيه خطران الاول على الاحزاب نفسها وسمعتها والثاني على العراق وشعبه , أما الخطر الأكبر فهو (الانتماء للوطن) حيث سيفقد الانسان العراقي ثقته بالعملية السياسية ويفقد مجموعة القيم والمعايير السلوكية المتعلقة بالأفراد في علاقاتهم مع السلطة السياسية, لأن الاحساس بالانتماء من أهم المعتقدات السياسية، ذلك أن شعور الأفراد بالولاء للنظام السياسي يساعد على اضفاء الشرعية على النظام، كما يساعد على بقاء النظام وتخطيه الأزمات والمصاعب التي تواجهه .. وبذا ستفقد الدولة أحد اهم أدواتها وهو (الانسان). أكرر أن انخراط هذا العدد الكبير من الأحزاب في الانتخابات المقبلة دون أدنى شعور بالمسؤولية وغياب المنهجية , وشيوع ظاهرة التشظي سيخلق صداما مع الشعب غير محسوب النتائج ولا يمكن القول عنه سوى انه (انتحار سياسي).



