النسخة الرقميةثقافية

المستقبل لقصيدة الومضة الشاعر عبد الحسين فرج: اعتقلتُ من أجهزة البعث.. وحكم عليَّ بالإعدام مرتين

المراقب العراقي/ كريم نعيم

عبد الحسين فرج, شاعرٌ يختصر أحزان مدينة, ينزفُ من حبرهِ أوجاع عمره الذي تلاشى بين قضبان السجون وارهاصات الحياة, ترى الغربة تترقرق من بين عينيهِ برغم أنه في وطنهِ وبينَ أهلهِ, قضى عمراً طويلاً في الكتابة باجناس أدبيّة مختلفة الا أنه خطّ لنفسهِ طريقاً لا يشبهه فيه أحد آخر باسلوبه الومضاتي, الذي غدا فيه أحدَ أبرز مبدعيه في المشهد الادبي العراقي إن لم يكن أوّلهم, أصدر فيه دواوين متعددة كان آخرها «عشبٌ أزرق وصحوٌ مقفر», وللحديث عن حياتهِ وسيرته الابداعيّة كان لنا هذا الحوار معه الذي حاولنا
فيه أن نغطي جلّ مشوراه الادبي.

* في أيّ سنين ومراحل حياته أحسّ عبد الحسين بان لديه موهبةٌ أدبيّة؟
ـ بدأ ذلك عندي وأحسسته في الستينيات، بالضبطِ سنة 1968 اثر قراءاتي المتتاليّة, خصوصا في جانب الروايات والمجلات لا سيما قصص الاطفال, وانا نشأت بين عائلة تحبّ القراءة, أخي الاكبر طالما كان يأتيني بالعديد من الكتب التي كنتُ أنهيها سريعاً, وأذكرُ للان ايضاً لقاءاتنا الشبابيّة الثقافية التي كان لها تأثير فيَّ مع بعض الاصدقاء الذين يتقدمون اليوم المشهد الادبي العراقي, مثل كريم العراقي وداود سالم وعبد جعفر وجمعة اللامي وغيرهم, وأول عمل أدبي نشر لي في ذلك الحين هو قصةٌ في مجلة «وعي العمال» انذاك, ومن بعدها بمدة نُشر لي أوّل نص شعري نثري في مجلةِ الشباب, اسمهُ «السندباد».
* الإبداع عادة ما يكونُ وليد حادثة ما حزن أو فرح, فمن أيّها انتَ؟
ـ حالتي مختلفة قليلاً, أنا لم تولدُ عندي الموهبة الادبية نتيجة صدمة أو تأثير علاقة عاطفيّة معينة, في الاصل هي موجودةٌ عندي, أنا فقط قمت بصقلها من خلال القراءات الأدبية, كنت أقرأُ كثيراً وبشكل نهم للشعر والقصة القصيرة والروايات خصوصا لكتاب أمريكيين و روس.
* لو سألتك عن أكبر صدمة حزن تعرضت لها خلال حياتك وأثرت فيك, بمَ تجيب؟
ـ الاحزان كثيرة في حياتي ولكن الذي ترك جرحاً حقيقياً لا يبرأ في روحي هو وفاة ابني علاء, الذي تمرض ومات بليلة واحدة ولم أعرف سبب ذلك, وأنا بعدهُ وللآن أحسّ كأني «ميّت».
* بعدَ كلّ ما أنجزته وأبدعته خلال هذه السنين, هل تحسّ بانك قدمت كلّ ما طمحتَ لهُ؟
ـ بالتأكيد لا, الابداع بحر لا ينضب, ومستمر باستمرار الحياة, وأنا ما زلتُ أكتب وسأبقى كذلك ما بقيت الحياة, وفي بالي أن أتجاوز المحليّة وأصدر كتاباتي خارج حدود الوطن لولا بعض العوائق التي تقف حائلاً دون ذلك.
* اعتقلتَ في مدة النظام السابق, ما كانت تهمتك وقتها؟
ـ بتاريخ 28/ 9/ 1988 اعتقلت من اجهزة البعث القمعية الصدامية بتهمة الانتساب لحزب الدعوة, وحُكم عليّ بالاعدام مرتين ومرة بالسجن المؤبد, وعذبت بطريقة قاسية حينها وللان أعاني من آثار ذلك, ودفعت ثمن هذا الاعتقال غالياً, فبسببه فقدت والدتي.
* يُعرف عن عبد الحسين أنه لا يحبّ أن يكون تحت الاضواء, ومنعزل بطريقة أو باخرى عن مجتمعهِ, ما السر وراء ذلك؟
ـ المسألة ليست كذلك, ولكن حتى وان اقمت اللقاءات وعقدت الجلسات الشعرّية والى اخره, لا أحسّ أنها ستقدم شيئاً, وانزوائي ليس عزلةً سلبية, انما لاجل الكتابة وأن اضيفَ الى مشواري الادبي شيئاً جديداً.
* قيل إنك عندما تكتب لك طقوسٌ خاصة, بحيث تنعزل عما يحيط بك تماماً لدرجة أن لا تدع أحداً يدخل عليك.
ـ طقس الكتابة عندي طقسٌ مقدسُ وعادة ما أكتبُ بالساعات الاولى من الصباح, تأتيني في هذا الوقت المثالي والملائم الرغبة في الكتابة, حيث صفاء الذهن والهدوء وعدم وجود أشّد أعدائي وهو «الضجيج» الذي من يلف كلّ شيء حولنا في مدننا هذهِ.
* ما جديدك على صعيدِ الكتابة؟
ـ أنا للان أنجزتُ خمسة دواوين شعرّية, كان آخرها «صحوٌ مقفر» الذي طُبع حديثاً قبل عدةِ أيام, والآن إكتمل عندي ديوان آخر كمسودة وسأدفعهُ الى التنضيدِ والطباعةِ في المدة المقبلة.
* بعض ومضاتك تهز الشخص لدرجة أنه يبكي عندما يقرأها, هل من شيء تخبرني به حول هذا الشيء؟
ـ الومضة بحدّ ذاتها هي عملية اختزال بالشكل لكن تكثيف بالمعنى, انا لديّ بعض الومضات الشعرية تضحكك. ولكن أيّ ضحك؟ لحدّ البكاء! وأذكر مرة أثناء ذهابي لسوريا قبل ثلاث سنين مررت بالاتحاد العام للادباء والكتاب السوريين, و رحبوا بي وقتها وطلب مني بعض الشعراء ان أقرأ لهم وفعلاً قرأت لهم بعضاً من مقاطع ديواني «عزلة البرتقال» وتأثروا كثيراً وأحدهم حينَ قرأ إحدى ومضاتي:
«شيخ يسأل كلّ مَن يصادفهُ في الشارع
هل مرّت أيامي من هنا»؟!
بكى وقال لي بتعجب «شو هذا الحزن»؟!
* سابقاً كان العصر للشعر واليوم للرواية, المستقبل لأيّ فنّ أدبي تراهُ؟
ـ المستقبل للرواية والشعر, ولكن لن يبقيا على ما عليه الان بل سيطرأ تغيير على شكلهما التقليدي الحالي, فالشعر مثلاً أتوقعُ مستقبلاً انه سيميل الى أسلوب «قصيدة الومضة» كما يسميها البعض, كلمات قليلةٌ بمعانٍ مكثفة, لاننا في عصر السرعة والانسان يميلُ نحو الاختصار بكلّ شيء.
* أخيراً، كيف ترى المشهد الادبي العراقي على صعده المختلفة؟ وبماذا يبشر؟
ـ المشهدُ يبشرُ بخيّر, وأنا أزور شارع المتنبي باستمرار الذي يعتدّ رئة العراقُ والعراقيين الثقافية, وأطلعُ على نتاجات الكُتاب عن قرب وألتقي بالمثقفين ومطمئن من هذه الناحية ولا أخاف على المستقبل الادبي, بل بالعكس المشهدُ ينبئ عن جيل واعدٍ من الكتّاب والمبدعين على صعدٍ مختلفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى