النسخة الرقميةثقافية

مــــرافــئ فـــي ذاكـــرة يحيـــى السمـــاوي

لطيف عبد سالم

14

مِنَ الْمُهِمِّ التنويه هُنَا الى أَنَّ الانتقالَ المذكور آنفاً، أفضى إلى تحولاتٍ بنيوية فِي مسارِ حياة السَمَاوي، ولعلَّ فِي طليعةِ تلك التغيرات هو مضاعفةُ منزلته فِي البيت، وترسيخ ميّزه عَنْ بقيةِ أشقائه وشقيقاته، فقد أصبح مصروفه اليومي عشرة فلوس وَأحيانا خمسة عشر فلسا – قيمة الدينار العراقي حينئذ كانت تعادل ألف فلس- وأصبح الفتى السَمَاوي أكثر شغفاً فِي اعتمادِ مَا متاح مِن الآلياتِ الَّتِي بوسعِها المُسَاهَمَة فِي تطويرِ تكوينه الشخصي وَ زيادة وعيه الفكري وَتحقيق نضجه السلوكي عبر السعي فِي محاولةِ توسيع مَا تتطلب مهمة بناء شخصيته مِنْ آفاقِ البناء التربوي تَبعاً لمقاييسِ الحياة المعاصرة، حيث كان يبدي اهتماماً بالغاً فِي الاعتناءِ بمظهرِه بعد أنْ وجدَ متعة فِي الاستمرارِ بكيِّ بنطلونه وقميصه عَلَى خلفيةِ شراء والده « مكواة « لا مثيل لها فِي عالمِ اليوم؛ إذ أَنَّ إمداداتِ الكَهْرَباء لَمْ تكن مصدراً لطاقَتِها الحراريَّة، وَإنما تعتمد فِي اشتغالِها عَلَى الطَّاقَةِ الحراريَّة المستمدة مِن الجمرِ الَّذِي يجري الحصول عَلَيه بوساطةِ حرقِ الفَحْم أو الحطب، حيث صممت هذه المكواة الَّتِي كانت ثقيلة الوزن بشكلٍ يسمح بفتح سطحها العلوي يدوياً مِنْ أجل وضعِ الجمر الساخن بداخلِها وَإعادة غلقها قصد تسخينِها وجعلها جاهزة لِكَيِّ الملابس. وَمما هو جدير بالاهتمامِ أَنَّ أولَ ظهور للمكواةِ يعود بحسبِ الروايات التاريخية إلى القرنِ الرابع الميلادي الَّذِي شهد اختراعها مِنْ أهل الصين قبل أنْ تمر بمراحلٍ تطويرية عديدة مِنْ ناحيتي الشكل والأداء والمواد المستخدمة فِي تصنيعها، حيث اعتمدت أشكالها الأولية عَلَى استخدامِ الخشب، ثم الرخام، فالزجاج قبل أنْ تستقرَ آراءُ المصممينَ عَلَى الركونِ إلى اِسْتِغلالِ المعادن بفعلِ جودتها فِي توصيلِ الحَرَارَة وَالاحتفاظ بِها، واستمرت محاولات تطويرها حتى اختراع المكواة الكهربائية فِي منتصفِ القرن المنصرم، وَتحديداً عام 1950م.
أخمرةٌ صوفيةٌ
عَـتَّقها في ثغركِ العشقُ
يرى شاربُها الفردوسَ في دنياهْ ؟
أسكرني حين رشفتُ القبلةَ الأولى
فجُنَّتْ شفتي
وأدمنتْ أوردتي طِلاهْ
فكيف لا يسكرُ هذا الثغرُ
من شذاهْ؟
***
بين احتضاري في غيابك
وانبعاثي في حضورك :
أتدلّى مشنوقاً بحبل أسئلتي
مُحدّقاً بغدٍ مضى
وبالأمس الذي لم يأتِ بعد
***
حين نستقل قارب التجوال فِي قنوات الماضي القريب لاستعادةِ مَا يخدم البحث مِنْ مجريات تلك الأيام، بالإضافةِ إلَى إفادته فِي المُسَاهَمَة بإغناءِ مضامينه، نلحظ بشكلٍ جلي أنَّ أهميةَ الإنجازات الَّتِي أفرزتها تجربة مجلس الاعمار فِي خمسينياتِ القرن الماضي، لَمْ يكن بوسعِها إيقاف التراجع الحاصل فِي القِطاعِ الزراعي، حيث شهدت تلك المدة ارتفاع معدلات هجرة الفقراء والمعدمين مِن الريفِ إلى المدينة، وَالَّتِي عَلَى أثرِها أقيمت فِي أغنى بلدان العالم وَأعرقها حضارة وَمَدَنيَّة مَا أشير إليها باسْمِ « مدن الصرائف « الَّتِي شكلت فِي العاصمةِ بغداد لوحدِها مناطق واسعة أقامها المهاجرون الذين كان أغلبهم مِن العاملين فِي معاملِ صناعة الطابوق وَأعمال البناء وَالمتطوعين فِي دوائرِ الشرطة أو الجيش. وَيرى المتخصصون أنَّ نصيبَ المجتمع العراقي مِنْ أنْشِطَةِ قِطَاعَات الصِحة وَالتَّعْلِيم وَالخدمَات البَلَديَّة كان ضئيلاً جداً حينئذ بسببِ تواضع التخصيصات المَالِيَّة الخاصة بهذه القِطاعات مِنْ قَوَانِينِ موازنة الدَّوْلَة العامة، وَعَلَى الرغمِ مِنْ أنَّ تخصيصاتِ التَّعْلِيم كانت أكثر مِنْ تخصيصاتِ القِطاع الصِحي، إلا أنَّها كانت قليلة جداً مقارنة بالزياداتِ السنوية التي طرأت عَلَى قيمةِ الموارد الرئيسة لبناءِ الدخل فِي السنواتِ الأخيرة مِن العهدِ الملكي، فلا غرابة مِنْ محدوديةِ تطور أداء وزارة المعارف – التربية حالياً – خلال ثلاثة عقود مِن الزمان، فمثلاً ازداد عدد المدارس الإبتدائية فِي عامِ 1957م بمعدلِ سبع مرات فقط عَنْ عددِها في عامِ 1927م. وَليس خافياً أنَّ ضعفَ الاهتمام الحكومي بالقِطاعِ التربوي المتزامن مَعَ صعوبةِ ظروف المعيشة كان أحد الأسباب الرئيسة لانتشارِ الأمية فِي بلادِنا، وَلعلَّ خيرَ مصداقٍ عَلَى مَا تقدم هو لجوء السواد الأعظم مِن الأهالي فِي تلك الأيام إلى « الملا « مِنْ أجلِ قراءة المكاتيب – الرسائل – الَّتِي تَرِد إليهم وكتابة ردهم عَلَيها؛ لِذا فإننا لا نبعدُ عَنْ الحقيقةِ إذا مَا قلنا إنَّ المعلمَ بمؤهلاته العلمية وَالمعرفية وَتفاعله مَعَ المُجْتَمَعِ، كان يفرض شخصيته وَاحترامه عَلَى محيطِه، الأمر الَّذِي عمق رغبة غالبية السكان المحليين فِي التطلعِ إلى عملِ أبنائهم فِي مجالِ التَّعْلِيم.
أكلُّ هذه السنين العجاف ..
الهجير ..
الحرائق ..
معسكرات اللجوء … المنافي ..
وقلبي لم يزلْ
أعمقَ خضرةً من كلّ بساتين الدنيا ؟ !!
***
يا سادتي الولاةُ في مدائنِ الأحزانْ
جميعكم أحصنةٌ
لا تملك الأمرَ على لجامها
فكيف للشعوبِ أن تقيمَ مهرجانها
حين يقودُ ركبَها حصانْ
يركبه المحتلُّ والآفكُ
والمنبوذُ والجبانْ؟
***
أيها الحزن لا تحزن ..
أدرك أنك ستشعر باليُتم بعدي ..
لن أتخلى عنك
أنت وحدك مَنْ أخلص لي
فكنت مُلاصقي كثيابي
حين تخلى عني الفرح
في وطن يأخذ شكل التابوت!
تأسيساً لِمَا تقدم، فإنَّ انتظامَ السَماوي بمرحلةِ الدراسة المتوسطة كان يعني بالنسبةِ لأمه وَأبيه – طيب الله ثراهما – معبراً أمده ثلاث سنوات يؤهله لدخولِ « دار المعلمين « الَّتِي تفرض عَلَيه ضوابطها الدراسة لثلاثِ سنوات أخرى مِنْ أجلِ أنْ يتخرّج معلماً، وَالَّذِي كان يشكل أقصى أحلام والديه؛ إذ كانا ينظران إلى خاله علي « رحمه الله « نظرة إكبار وَتبجيل، بوصفِه الوحيد مِنْ بَيْنَ أفراد أسَرة جده وأعمامه وأخواله، فضلاً عَنْ بقيةِ أقربائه فِي مدينةِ السماوة مَنْ أكمل دراسته وتخرّج مُعلّماً وَضمن مستقبله كموظفٍ حكومي وَليس كبقّال أو عطّار أو بائع « شربت « – وَهي المهن المتواضعة الَّتِي مارسها جده وَأبوه وَأعمامه وَأقرباؤه.
أعرف تماماً أين يرقد « نيوتن «
وأين كان الحقلُ
لكن :
في أي تنور انتهت الشجرة ؟
وفي أية معدة استقرت التفاحة ؟
***
أعرفُ أنَّ العبيد
هم الذين شيّدوا :
الأهرام ..
سور الصين ..
جنائن بابل ..
ولكن :
أين ذَهَبَ عرقُ جباههم ؟
وصراخهم تحت لسع السياط
أين استقر ؟
***
إنْ كان يستأصل محتلّاً
وما يتركُ في مستنقع السلطة من أذنابْ ..
إنْ كان يستأصل من بستاننا الضباعَ
والجرادَ ..
والذئابْ
وسارقي قوت الجماهيرِ
وتجّار الشعارات التي شوّهتِ المحرابْ ..
إنْ كان يجتثُّ الدراويش
المفخخين بالحقد ..
وساسة الدهاليز
الذين يعرضون بيتنا للبيع
خلف البابْ
فإنني :
أبارك الإرهابْ
***
إرتباك عاشقين
أفزعهما انفجارُ قنبلة
أو صفارة إنذار ..
سقوط عصفور بشظية ..
أو جرح سعفة نخلة :
أسباب وجيهة
لرفضي الحروب
ما لم تكنْ
ذوداً عن وطنٍ
وكنساً لوحل احتلال!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى