مناشدات لوضع إجراءات صارمة بحق تجريف الأراضي مأساة متكررة وإهمال متعمد تتعرّض لها المساحات الخضر في العراق

تحقيق – مصطفى عبدالخالق
لم تسفر الحروب التي خاضها العراق منذ 1980 ولغاية 2003 إذا ما افترضنا أنه لم يخض حرباً بعد 2003 عن حصد أرواح البشر فقط، بل امتدت إلى المساحات الخضر، وأصبح استنشاق الهواء النقي أمرا صعبا في العراق، أدخنة المصانع تتعالى مع السحب، يتساءل محمد الى متى ينتهي مسلسل قطع الأشجار وجرف المساحات الخضر وتحويلها الى مصانع وابنية .
محمد عباس الذي لم يجد له ملجأ ليتنفس منه الهواء النقي، أصبح يستنشق الهواء المحمل براحة الكبريت، اذ لم يعد للحياة طعم، بعد تردي الأماكن الترفيهية في المدن، ووصل الحال الى قطع الاشجار وجرف المساحات الخضر.
موت بطيء
يقول الحاج محمد علي، ان تحويل الأراضي الزراعية الى سكنية في العاصمة بغداد بأنها جريمة بحق الأشجار لا تقل عن جريمة قتل الانسان. ويضيف: تجريد الأرض من وشاحها الأخضر الجميل الذي يبعث الراحة للنفس البشرية ويلطف الأجواء وينعش الروح قتلا للبشرية. ويرجع علي للذاكرة ليقول، ان أيام الخير التي كانت تفوح من الأشجار راحة تقتل السموم المنتشرة في الهواء المغبر الذي يضرب العراق، أما جماليتها فهذا شيء اخر يبعث روح الطبيعة الجمالية في الذات البشري، لكن اليوم لا مهرب الى أي مكان فقد تحولت العاصمة الى مدينة لم تراعَ فيها أسس الحفاظ على البيئة، لنعيش وسط هواء مغبر بدخان الانفجارات وضجيج مدمر. داعيا الحكومة الى تخصيص مساحات خضر ومتنزهات للترويح من الاحتقان الذي يحصل في أجواء المدينة. أما حيدر علي، فله رأي اخر فيوضح «ان الإهمال الزراعي الواضح في العراق والسياسات التي ذهبت ادراج الرياح لم تكن قادرة في الحفاظ على الزراعة كمورد مهم وشريان رئيس لديمومة الحياة لفئة ليست قليلة من المجتمع العراقي الذي يعيش بثروات الأرض ومحاصيلها. وبيّن ان أغلب أصحاب الأراضي الزراعية ذهبوا باتجاه تحويل أراضيهم الزراعية الى سكنية بسبب تدهور القطاع الزراعي اذا ما علمنا ان الأرض السكنية أصبحت ذات قيمة عالية وأسعار مغرية تدفع لهذه الأراضي ونتيجة عدم فائدة الأرض زراعيا فالأفضل بيعها بمبلغ كبير وعدم تركها بلا مورد. ويضيف: «بعض الأراضي في مركز العاصمة من غير الممكن ان تبقى زراعية وأنا مع تحويلها لكن بشرط إحاطة المدينة بحزام اخضر وإنشاء متنزهات واستنكر الأعمال الهمجية التي تجري من تجريف عشوائي بلا تخطيط ولا تفكير في عواقب هذا التجريف بيئياً على السكان مستقبلاً.
الحزام الأخضر في خبر كان
ويقترح عمر عبد العزيز (33 عاما) على الجهات المختصة ان تقوم بإنشاء واحات في الصحاري وإحاطة مدينة بغداد بالحزام الأخضر الذي نستمع اليه فقط من اجل المحافظة على سلامة البيئة ونقاوة الهواء بدلا عن تجريف الأراضي الزراعية وتحويلها الى عقارات للمتاجرة وربح الأموال من وراء هكذا اعمال. وبيّن ان هنالك الكثير من الاثار السلبية التي تتركها تجريف المساحات الخضر منها الاحتباس الحراري وقلة الامطار وارتفاع درجات الحرارة، داعيا الى التوجه نحو منع هكذا ممارسات والحد منها والعمل على زيادة الأماكن الخضر. وكان لا بد من الذهاب الى احد أصحاب البنايات التي شُيدت على أراضٍ زراعية تم تجريف أشجارها وتم سؤاله «كيف قمتم بتجريد الأرض الزراعية وتحويلها الى بنايات ؟» أجاب بأن ذلك تم بموافقة الحكومة وان عملنا مجاز رسميا من الجهات ذات العلاقة بالموضوع وليس هنالك أي شيء يمنعنا من تشييد البنايات ونحن نطمح الى زيادتها على وفق خطة موضوعة على مساحة تبلغ 48 دونما وتطلعاتنا للمستقبل ان نكون أفضل مما نحن عليه الان من بنايات.
الاستثمار يقتل المساحات الخضر
ويرى الدكتور محمد عمر من سكنة منطقة الكرادة، ان من المناسب جدا ان يتم تحويل الأراضي الزراعية الى أماكن سكنية نتيجة الكثافة السكانية الحاصلة في بغداد والعراق بشكل عام ولم تعد المساحات المخصصة للسكن كافية لاستيعاب الأعداد البشرية الكبيرة، عازيا ذلك الى ضعف الأداء الحكومي المعني بتوفير وتخصيص الأراضي حسب مخططات الكثافة السكانية ووضع تصاميم للمدن تحدد فيها الأماكن العامة والمناطق السكنية والمعامل والمستشفيات والجامعات والمتنزهات بما يتلاءم مع ما هو معمول به في كل بلدان العالم ويختتم حديثة بالقول «ان السبب الأول والأخير هو سوء التخطيط الحكومي وببساطة نحن نعيش في زمن الفوضى». ويعلق الدكتور عبد الغفور إبراهيم، التدريسي في كلية الزراعة، بالقول ان «التجريف الذي يحصل خطر على الحياة البشرة ونحذر من هكذا أعمال، محملا الحكومة المسؤولية عن ازدياد عمليات التجريف». وبيّن ان هذا يشكل مردودات سلبية سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو بيئية وبالتالي المتضرر الوحيد هو المواطن البسيط، مؤكدا انه ضد عمليات التجريف التي تحصل ويمكن إيجاد حلول للازمة السكانية بعيداً عن التجريف ويجب على الحكومة ان تضع إجراءات صارمة ضد قطع الأشجار ومنعها وان ما تقوم به الحكومة خجول ولا يرقى الى المستوى المطلوب من أجل الحفاظ على البيئة خالية من التلوث.
ويرى كاتب التحقيق، من كل هذه الفوضى نجد ان هنالك شبه اتفاق غير معلن على تدمير كل شيء، وهذا الاتفاق مشترك يتناوب عليه أطرافه سواء كان بعلم منهم أو بغير علم، والهدف هو الخراب، فمرة يكون المسؤول هو المنفذ وأخرى يأخذ المواطن هذا الدور ومرة ثالثة يكمل احدهما الاخر ولا أعلم ماذا سيكون في قادم الأيام من مصائب أخرى تحيق بالعراق ليبقى على شفى حفرة من السقوط ولا أحد يهب لنصرته.



