النسخة الرقميةطب وعلوم

الإلحاد الجديد .. نظرة الفيزيائيين في معرفة الخالق

اعداد /خالد جاسم الفرطوسي

الحلقة الثانية عشرة

ما تقرؤونه في هذه الحلقات والتي ستكون على شكل حلقات هو جزء من معلومات كثيرة قمنا بكتابتها تارة مما إستقيناه من كتب عديدة، وأخرى قمنا بنقلها من بعض المصادر باختصار وتهذيب أضفنا إليها ما هو مناسب، فإلى ذلك نسأله تعالى أن يسدد خطانا أنه نعم المولى ونعم النصير.- نظرية الانفجار العظيم:
بما أن مناقشتنا للفيزيائيين في هذا البحث مبنية كلها على تسليمهم بنظرية الانفجار العظيم، فيحسن أن نعطي القارئ غير المختص فكرة موجزة عن هذه النظرية. عند الحديثِ عن نشأةِ الكونِ والانفجارِ العظيمِ فإنّنا لابد أن نذكر اثنين من العلماء :العالم البلجيكي جورج لوميتر الذي هو أول من صاغ هذه النظرية، والعالم الأمريكي إدوين هابل صاحب الاكتشافات التي عززت من صحّة هذه النظرية. فقد توصّل هذان العالمان عام 1930 إلى أنّ الكون لا يمكن أن يكون ثابتاً، إنما هو كون آخذ بالاتساع و النمو. وقد أشار الباري تعالى إلى هذه الحقيقة قبل قرون مضت فقال عز من قال في سورة الذاريات الآية 47: (والسماء بنيناها بأييد وإنَّا لموسعون).
توصّلَ إدوين هابل عبر دراسةِ المجرّات بواسطةِ (المقرابِ الأكبر) في ذلكَ الوقتِ، إلى أنّ المجرّات البعيدةِ تبدو وكأنّها تبتعدُ عنّا أكثر فأكثر، وقد وجدَ بمراقبةِ حركةِ المجرّاتِ أنّ علاقةً طرديّةً تربِطُ المسافةَ التي تبعدها مجرّةٌ ما عنّا بسرعةِ ابتعادها؛ أي أنّ المجرّاتِ الأبعد تبتعدُ بسرعةٍ أكبر .
استخدم لوميتر هذه الاكتشافاتِ ليلفتَ النّظرَ إلى ورقته البحثيّةِ الّتي صدرت في وقتٍ سابقٍ، والّتي تربط أيضاً بين المسافةِ الّتي تقطعها المجرّة وسرعتها. بتجميعِ ملاحظاتِ هابل مع ورقةِ لوميتر البحثيّة. أصبح غالبيّةُ علماءِ الفلك مقتنعةٌ بأنّ الكونَ يتوسّع .وبعد فترةٍ وجيزةٍ توصّل لوميتر إلى أنّ السّفرَ في الزّمنِ إلى الخلفِ يجبُ أن يوصلَنا إلى العصرِ الذي كانت فيه مادّةُ الكونِ كلّه مختزلةً في حالةٍ كثيفةٍ للغاية، حالةٌ كان فيها الكونُ بحجمِ البروتون، نجمَ عنها انفجارٌ كبيرٌ أدّى إلى ولادةِ الكون.
تفترضُ نظريّةُ الانفجارِ العظيمِ، أنّ انفجاراً عظيماً حدث قبل 13.7 مليارِ سنةٍ أدى لولادةِ الكونِ بشكلهِ الحاليّ بكلّ ما فيه وبدأَ معهُ الزّمانُ والمكان، ولابدّ من التأكيدِ على أنّ هذه النظرية لا تصفُ نشوء الكونِ بل تعبّرُ عن مرحلة انتقالِ الكون من مرحلةٍ كان فيها مجرّد «نقطة» شديدة ارتفاعِ درجةِ الحرارة وشديدةَ الكثافةِ، انفجرت لتصلَ بكوننا إلى ما هو عليهِ الآن. فوفقاً لهذهِ النّظريّة فإنّ الكونَ بدأَ بحالةٍ فائقةُ الكثافةِ والسخونةِ ولا يزال يتمدّدُ ويبردُ منذُ ذلك الحين. يُعتقدُ أنّ أوّلَ من صاغَ تعبيرَ «الانفجارِ العظيم» عالمُ الفلكِ البريطانيّ Hoyle Fred أثناء مقابلةٍ بثّها راديو BBC عام 1949 م، وبقيت التسميةُ على حالها إلى الآن. لكنّ ما حصلَ فعلاً ليس انفجاراً بالمعنى الدقيقِ للكلمة بقدرِ ما هو انتفاخٌ أو تضخّمٌ لجسمٍ كان بحجمِ البروتون، وبكلّ الأحوال لا تزالُ التسمية بحدّ ذاتها محط جدلٍ بين العلماء. يعتقدُ العلماءُ بانّ هنالك العديدُ من التّكهّناتِ والسيناريوهاتِ المحتملةِ لمرحلةِ ما قبلَ الانفجارِ العظيمِ (إن كانت هنالك مرحلةٌ فعلاً) لكنّها مجرّد تكهّنات غيرُ مدعومةٍ بأيةِ معلومات استقرائيّة (أي المعلومات المبنيّة على فرضيات رياضياتيّة محكمة). وبكلّ حالٍ فإنّه من الممكن أن لا تكونَ هنالك أية حِقبةٍ سابقة. وعليه إن كانَ هذا صحيحاً فإنّ كلّ شيءٍ نعرفُه من مادّةٍ وطاقةٍ وزمانٍ ومكانٍ قد برز إلى الوجودِ بشكلٍ مفاجئ.
أمّا الفيزياءُ الكموميّةُ فتقترحُ أنّ المكانَ والزّمانَ قد تطوّرا من حالةٍ بدائيّةٍ يمكن توصيفُها اعتماداً على نظريّةِ الجاذبيّة الكموميّة (الأمرُ الّذي يطمحُ العلماءُ بالتّوصّلِ إليه). لدينا أيضاً نظريّةُ الأكوانِ المتعدّدةِ الّتي تقرّها نظريّة الأوتار الفائقةِ؛ والّتي تدرُسُ تغيّراتِ النّفق الكموميّ والاضطّراباتِ الكموميّة في مستوياتٍ مختلفةٍ من الطّاقة. لدينا أخيراً نظريّةُ الكونِ الدّوريّ (universe Cyclic) الّتي تقترحُ أنّ الانفجارَ العظيمِ ما هو إلا آخرُ انفجارٍ حصلَ ضمنَ سلسلةٍ من الانفجاراتِ العظيمةِ السّابقةِ الّتي أدّت إلى توسّعِ الكونِ، ثمّ انهيارهِ ليصبح كتلةً فائقةُ الكثافةِ تجمعُ مادّةَ الكونِ كلّها، ومن ثمّ انفجارِهِ مجدّداً ليتوسّع من جديد. اذاً ليس لدينا نظريّةً تؤكّدُ بشكلٍ قاطعٍ إلى الآن كيفيةَ حدوثِ الانفجارِ العظيمِ وما الذي سبقهُ (إن سبقه أي شيء) لكنّنا نعرُف حتماً ما تلاه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى