النسخة الرقمية

حضور القلب في العبادة

قال الإمام الصادق عليه السلام: «اذا استقبلت القبلة، فآيس من الدنيا وما فيها، والخلق وما هم فيه، واستفرغ قلبك من كل شاغل يشغلك عن الله تعالى وعاين بسرك عظمة الله عزَّ و جلَّ واذكر وقوفك بين يديه، قال تعالى: هنالك تبلى كل نفس ما أسلفت وردّوا الى الله مولاهم الحق… وقف على قدم الخوف والرجاء». فحضور القلب إذاً هو إفراغه من أي شيءٍ يشغله عن الله تعالى وعظمته.وقد ورد في جامع السعادات: «حضور القلب: وهو أن يفرغ القلب عن غير ما هو ملابسٌ له ومتكلّمٌ به، حتى يكون العلم مقروناً بما يفعله وما يقوله، من غير جريان الفكر في غيرهما. فمهما انصرف الفكر عن غير ما هو فيه، وكان في قلبه ذكرٌ لما هو فيه من غير غفلةٍ عنه، فقد حصل حضور القلب. ثم حضور القلب قد يُعبّر عنه بالإقبال على الصلاة والتوجّه، وقد يُعبّر عنه بالخشوع بالقلب..»والمراد من حضور القلب في الصلاة هو أن يكون مشغولاً وملتفتاً إلى حال الصلاة ومتوجّهاً إلى الله في أفعاله وأقواله وغيرها ومفرّغاً فكره عما سوى الحق،قد يكون هذا الأدب هو لبّ الآداب المعنوية للصلاة وقطب الرّحى فيها، وعنوانه دليلٌ على ذلك فلطالما أشرنا في السابق إلى أن القلب هو المحور في العبادات، وأنّه هو الذي تبتغي العبادة تغييره والتأثير فيه وتشكيله على صورة العبودية وتحويله إلى عابدٍ حقيقي. فأيّ أهمّيّةٍ لهذا الأدب؟ وما السرّ في ذلك؟إن رعاية حضور القلب في العبادات ولا سيّما في الصلاة، هو أحد أهم الآداب القلبية قاطبةً، إذ ليس للعبادة من دونه روحٌ أو معنىً. وهو مفتاح قفل الكمالات وباب أبواب السعادات وقلّما اهتُمّ بشيءٍ من الآداب كهذا الأدب في الأحاديث الشريفة,وللإضاءة أكثر على أهمية هذا الأدب نذكّر بما مرّ سابقاً من أن العبادات والمناسك والأذكار والأوراد إنما تنتج نتيجةً كاملةً إذا صارت صورةً باطنيةً للقلب، وتخمّر باطن الإنسان بها، وتصوّر قلب الإنسان بصورة العبودية وخرج عن الهوى والعصيان. وكذلك ما ذكرناه من أن أسرار العبادات وفوائدها أن تتقوّى إرادة النفس وتتغلّب النفس على القوى الطبيعية فتصبح مسخّرةً لها ولسلطنتها. بعد أن بيّننا أهمّية حضور القلب لتحصيل فوائد العبادة ينبغي أن نوضح سبيل تحصيله، ولكن لا بدّ أولاً من التعرّف إلى الموانع والعوائق التي تحول دون تحقّق حضور القلب، فإنّ إزالتها يجعل طريق إحراز هذا الأدب الفائق الأهمية سالكةً ومعبّدةً.وموانع حضور القلب في العبادات هي كلّ ما يستدعي غفلة القلب عن محضر العبادة ويذهله عن معاني حركات وأذكار وطقوس العبادات ويسرح به بعيداً عن الحضور في موعد لقاء المعبود عزّ وجلّ..وتنشأ الموانع إمّا من أمورٍ خارجيةٍ عن طريق الحواسّ الظاهرية، وإمّا من أمورٍ باطنيةٍ عمدتها عقبتان رئيستان، هما الخيال وحبّ الدنيا.ونعني بالموانع الناشئة من أمورٍ خارجيةٍ كلّ ما يرد إلى ذهن الإنسان عن طريق الحواسّ الظاهرية كأن يسمع أو يرى في حال العبادة شيئاً فيتعلّق ذهنه به، فينشغل به خياله ويتشتّت خاطره فيذهل بالكلّية عن عبادته، وإن كان قائماً في الصلاة مثلاّ، فلا يلتفت إلّا وقد ختمها مسلّماً دون أن يعي ممّا قاله فيها حرفاً واحداً!
وقد نظنّ للوهلة الأولى أن حلّ هذه المشكلة يكمن في أن يعزل المصلّي نفسه عن كل ما يمكن أن يتسرّب إليه عن طريق الحواس، فيصلّي في غرفةٍ خاليةٍ من أيّ شيءٍ وأحدٍ، ولكن الواقع أن هذا حلٌّ جزئيٌّ وهو غير ذي فاعليةٍ حقيقية طالما أن المشكلة الأساسية هي في ما تولّده هذه المحسوسات في خيال الإنسان وتنتجه من تخيّلاتٍ وأوهام، وما تصرف الذهن إليه من أفكارٍ وليس فقط في استقبال الذهن لها، والذي قد يحدث في لحيظاتٍ قليلةٍ سرعان ما تنقضي,بل ربما يقود خلوّ الغرفة المصلّي إلى خيالاتٍ من نوعٍ آخر أشدّ تشتيتاً له وإبعاداً للقلب من محضر الصلاة، فالحلّ إذاً يكمن في امتلاك القدرة للسيطرة على قوّة الخيال لدى الإنسان وهي في الواقع إحدى المانعين الباطنيين…أما بالنسبة للموانع الناشئة من عوامل باطنيةٍ فهما كما ذكرنا قوّة الخيال لدى الإنسان وحبّ الدنيا المتمكّن من قلبه:
الخيال
قوّة الخيال أو المتخيّلة، وهي قوّة موجودةٌ لدى كلّ إنسان بشكلٍ طبيعيٍّ ولها فوائدها العظمى بالنسبة إليه، فمن دونها مثلاً لا يتمكّن الإنسان من الذهاب إلى مكانٍ ما لأنه لا يمتلك القدرة على تخيّل وتصوّر الطريق إليه. ولكن المشكلة تقع عندما يعمل الخيال في غير مكانه و وقته المناسبين وهو ما يحدث تلقائياً وبشكلٍ دائمٍ، لأنه وكما يقال إن طائر الخيال بطبيعته فرّار..فمن شدّة انتقالها من خيالٍ إلى آخر ومن صورةٍ إلى أخرى تمّ تشبيه هذه القوة بالطائر الذي لا يعرف استقراراً فتجده يطير باستمرارٍ من غصنٍ إلى آخر، ومن شجرةٍ إلى أخرى.ومن المهم أن نعلم أن تحصيل سكون الخاطر وطمأنينة النفس أثناء العبادة لن يحصل بغير التمكّن من السيطرة على الخيال وبذلك نكون قد قضينا على مانعٍ خطيرٍ يمنع من حضور القلب في العبادة.
تعلّق القلب بالدنيا
المانع الثاني هو تعلّق القلب بالحيثيّات الدنيوية وحبّه للدنيا الذي هو رأس الخطايا والأمراض الباطنية، وهو شوك طريق أهل السلوك ومنبع المصيبات. وما دام القلب متعلّقاً، ومنغمساً في حب الدنيا فالطريق لإصلاح القلوب مسدودٌ، وباب جميع السعادات مغلقٌ في وجه الإنسان. والسبب في ذلك أن القلب يتوجّه إلى محبوبه بمقدار تمكّن حبّه منه:فإن كانت الدنيا هي محبوبته وقد استحوذت عليه فإنها تأخذ بشغافه وعنايته في حالاته وهنيهاته كافة، وتشغله بفتنتها في كل أوانٍ، فينصرف عن كلّ ما سواها بما في ذلك العبادة والحضور في الصلاة موعد الثناء على ربّ العزّة المتعالي. فعين الإنسان مثلاً قابلةٌ للتدريب حيث يمكن للمتدرّب بنحوٍ خاص أن ينظر إلى قرص الشمس ساعاتٍ عديدة دون أن يغمض جفنه، بينما لم يكن بمقدوره النظر سابقاً لثوانٍ قليلةٍ. كما يمكن برياضةٍ خاصّةٍ أيضاً لمرتاضٍ أن يحبس أنفاسه مدّةً طويلةً غير معتادةٍ، بل ويمكن وبرياضةٍ خاصّةٍ للبعض أن يتحكّم بدقّات قلبه فيبطئها مثلاً…وتبقى الإشارة إلى أن المنشأ الأساس والمغذّي الأساس لقوّة الخيال هو حب الدنيا والانشغال بزينتها وسفاسفها، لذا ينبغي قطع هذه الشجرة الملعونة وتجفيف هذا النبع الملوّث، السامّة مياهه.فالتفكّر في ثمرات هذا المرض الذي هو مصدر الأمراض والمفاسد الأخلاقية، وفي نتائجه والمقارنة بينها وبين مضارّه ومهالكه الحاصلة منه. فكم محدودةٌ ومحكومةٌ بالفناء والزوال الفوائد الدنيوية التي قد يجنيها الإنسان المحب للدنيا؟ في مقابل ما يسببه حبّها من ضررٍ له!! ويكفي لتبيان فداحة هذا الضرر ما ورد في الكافي عن الإمام الصادق عليه السلام: «رأس كل خطيئة حب الدنيا».فيكفي لهذه الخطيئة العظيمة المهلكة أنها منبع جميع الخطايا وأساس جميع المفاسد. فبقليلٍ من التأمّل يدرك الإنسان أن جميع المفاسد الخُلقية والعملية توشك أن تكون من ثمرات هذه الشجرة الخبيثة. فما يحدث في هذه الدنيا من فسادٍ كالقتل والنهب والظلم والفجور والفحشاء والسرقة، إلا وهو بوساطة هذه الموبقة العظيمة. كما أن الفقر والذلّة والطمع والحرص والاستعباد والتملّق والبغض والحقد والجور وقطع الرحم والنفاق وسائر الأخلاق الفاسدة وليدة أم الأمراض هذه.وحب الدنيا مانعٌ من الفضائل المعنوية، فالشجاعة والعفّة والسخاء والعدالة وطمأنينة النفس وسكون الخاطر وسلامة القلب والكرامة والحرية وعزّة النفس، وكذلك المعارف الإلهية والتوحيد في الأسماء والصفات والأفعال والذات وطلب الحق ورؤية الحق، جميعها متضادّةٌ مع حب الدنيا.وإن طريق علاج حب الدنيا هو مبدأ العمل بالضدّ. فكلّ محبٍّ للدنيا لديه نمطٌ من التعلّق بها، فالبعض يحبّ المال والثروة وتكديس الخيرات وادّخار النفائس، وعلاج هذا الشخص يكون بأداء الحقوق المالية الشرعية الواجبة وبالصدقة المستحبّة، فيعطي ممّا يحبّ ﴿ لَن تَنَالُواْ ٱلبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. فإن من أسرار الصدقات تقليل التعلّق بالدنيا.
وهكذا، على كلّ إنسان أن يشخّص مورد ابتلائه بحب الدنيا، وفي أيّ الأمور يتجلّى هذا الحب في حياته ويقوم على العمل بخلاف هواه ومضادّة مشتهيات نفسه والثبات على هذه المجاهدة المدة الكافية من الزمن للتخلّص من أمّ الأمراض هذه واقتلاعها من جذورها، وأن يحرص على مراقبة نفسه دائماً لئلّا يتسلّل هذا المرض الخبيث إليها مجدّداً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى