الإلحاد الجديد .. نظرة الفيزيائيين في معرفة الخالق

الحلقة الحادية عشر
اعداد /خالد جاسم الفرطوسي
ما تقرؤونه في هذه الحلقات والتي ستكون على شكل حلقات هو جزء من معلومات كثيرة قمنا بكتابتها تارة مما إستقيناه من كتب عديدة، وأخرى قمنا بنقلها من بعض المصادر باختصار وتهذيب أضفنا إليها ما هو مناسب، فإلى ذلك نسأله تعالى أن يسدد خطانا أنه نعم المولى ونعم النصير.الفيزياء الحديثة:
هل الذرة هي المادة الأزلية ؟ كلا! فقد أبطل تطور علم الفيزياء هذا الظن أيضاً، إذ قد تبين أن الذرة نفسها مركبة من أجزاء أخرى عرفنا منها أولاً (الالكترون والنيوترون والبروتون)، ثم تبين أن هذه المكونات هي نفسها مركبة من أجزاء، آخر ما عرفه الفيزيائيون منها هو ما يسمى بـ(الكوارك). قد يقول قائل: وإذاً فقد وصلنا أخيراً إلى المادة الأزلية، إلى الجزء الذي لا يتجزأ إنه هذه الكواركات. والرد على هذا من ناحيتين:
أولاً/ أنه قول بغير علم، إذ ليس في هذه الكواركات ما يدل على أزليتها، وعدم تكونها هي الأخرى من أجزاء أصغر منها.
ثانياً/ إذا كان الشيء أزلياً لا بداية له فهو بالضرورة مستغن عن غيره. أعني أنه لا يعتمد في وجوده ولا استمرار وجوده على غيره. وإذا كان الشيء قائماً بنفسه مستغنياً في وجوده عن غيره فإنه لا يفنى ولا يتغير ولا يتبدل. فماذا نقول عن آخر أجزاء الذرة التي وصلنا إليها حتى الآن ؟.
إن العلم كما قلنا لم يثبت بعد أن لها مكونات، ولكنه أثبت ما هو بالنسبة لموضوعنا أهم من ذلك، لقد أثبت أن هذه الأجزاء قابلة لأن تتحول إلى طاقة، وأن الطاقة نفسها قابلة لأن تتحول إلى مادة، فما نسميه مادة كالهيدروجين مثلاً وما نسميه طاقة كالضوء هما في الحقيقة وجهان لعملة واحدة كما بين أينشتاين في معادلته الشهيرة: أي أن الطاقة تساوي الكتلة مضـــــروبة في مربــع سرعة الضوء.
وهكذا تبين أن قابلية التحول هذه تعني أن بقاء المادة في هيأتها المعينة كان معتمداً على ظروف خارجة عن ذاتها، فلما زالت تلك الظروف زالت تلك الهيأة، وإذاً فهي ليست معتمدة في وجودها على نفسها، وعليه فقد استحال أن تكون أزلية. إذاً فالمادة في كل شكل من أشكالها المعينة قابلة للفناء فهي إذاً حادثة. إذا قلت لإنسان له المام بعلم الكيمياء والفيزياء أن المادة تفنى، وضربت له مثلاً على ذلك بموته هو مثلاُ..
قد يجيبك على الفور:- انني لم افن، وإنما تحولت إلى مواد أخرى. فإذا قلت له:- ولكن هذه المواد الأخرى تفنى. قال محتجاً:- ولكنها هي بدورها تتحول إلى مواد أخرى. وهكذا يظل مصراً على رأيه بأن هنالك وراء كل هذا مادة لا تفنى. وما يقال عن الانسان يقال عن كل مادة معينة اخرى، فكل مادة في شكل معين لها خصائص تعرف بها، فإذا تحللت وتحولت زالت هذه الخصائص، فزالت بزوالها تلك المادة التي كنا نعرفها. وعليه فالمادة تفنى وتستحدث.
كيف نشأ الكون ؟
بما أن مناقشتنا للفيزيائيين في هذا البحث مبنية كلها على تسليمهم بنظرية الانفجار العظيم، فيحسن أن نعطي القارئ غير المختص فكرة موجزة عن هذه النظرية. عند الحديثِ عن نشأةِ الكونِ والانفجارِ العظيمِ فإنّنا لابد أن نذكر اثنين من العلماء، العالم البلجيكي جورج لوميتر الذي هو أول من صاغ هذه النظرية، والعالم الأمريكي إدوين هابل صاحب الاكتشافات التي عززت من صحّة هذه النظرية. فقد توصل هذان العالمان عام 1930 إلى أنّ الكون لا يمكن أن يكون ثابتاً، إنما هو كون آخذ بالاتساع والنمو. وقد أشار الباري تعالى إلى هذه الحقيقة قبل قرون مضت فقال عز من قال في سورة الذاريات الآية 47: (والسماء بنيناها بأيد وإنَّا لموسعون). توصّلَ إدوين هابل عبر دراسةِ المجرّات بواسطةِ (المقرابِ الأكبر) في ذلكَ الوقتِ، إلى أنّ المجرّات البعيدةِ تبدو وكأنّها تبتعدُ عنّا أكثر فأكثر، وقد وجدَ بمراقبةِ حركةِ المجرّاتِ أنّ علاقةً طرديّةً تربِطُ المسافةَ التي تبعدها مجرّةٌ ما عنّا بسرعةِ ابتعادها؛ أي أنّ المجرّاتِ الأبعد تبتعدُ بسرعةٍ أكبر. استخدم لوميتر هذه الاكتشافاتِ ليلفتَ النّظرَ إلى ورقته البحثيّةِ الّتي صدرت في وقتٍ سابقٍ، والّتي تربط أيضاً بين المسافةِ الّتي تقطعها المجرّة وسرعتها. بتجميعِ ملاحظاتِ هابل مع ورقةِ لوميتر البحثيّة أصبحت غالبيّةُ علماءِ الفلك مقتنعةٌ بأنّ الكونَ يتوسّع. وبعد مدةٍ وجيزةٍ توصّل لوميتر إلى أنّ السّفرَ في الزّمنِ إلى الخلفِ يجبُ أن يوصلَنا إلى العصرِ الذي كانت فيه مادّةُ الكونِ كلّه مختزلةً في حالةٍ كثيفةٍ للغاية، حالةٌ كان فيها الكونُ بحجمِ البروتون، نجمَ عنها انفجارٌ كبيرٌ أدّى إلى ولادةِ الكون. تفترضُ نظريّةُ الانفجارِ العظيمِ، أنّ انفجاراً عظيماً حدث قبل 13.7 مليارِ سنةٍ أدى لولادةِ الكونِ بشكلهِ الحاليّ بكلّ ما فيه وبدأَ معهُ الزّمانُ والمكان، ولابدّ من التأكيدِ على أنّ هذه النظرية لا تصفُ نشوء الكونِ بل تعبّرُ عن مرحلة انتقالِ الكون من مرحلةٍ كان فيها مجرّد «نقطة» شديدة ارتفاعِ درجةِ الحرارة وشديدةَ الكثافةِ، انفجرت لتصلَ بكوننا إلى ما هو عليهِ الآن.



