ربيع غربي يهدّد أوروبا…كتالونيا تعلن الإستقلال عن إسبانيا ومدريد تفرض عليها الحكم المباشر

انتھت مؤخراً المھلة التي منحتھا الحكومة الإسبانية في مدريد إلى رئيس إقليم كاتالونيا كارليس بوتشيمون، لوقف مسعى الإقليم الواقع شمالي شرقي المملكة الإسبانية نحو الاستقلال. ومع انتھاء المھلة تقترب مدريد من فرض حكم مركزي على الإقليم الانفصالي لإجھاض مسعاه للاستقلال، فقد ھددت الحكومة الإسبانية بتفعيل المادة 155 من الدستور الإسباني، التي تمكّنھا من فرض حكم مباشر على أي إقليم يتمتع بحكم ذاتي فيھا إذا انتھك القانون، ما أدى إلى الزج بالبلاد في أسوأ أزمة سياسية في تاريخھا منذ محاولة الانقلاب العسكري عام 1981.مسألة الانفصال والاستقلال باتت مطروحة على جدول أعمال بلدان عدة، وھناك من يربط ھذه الوجھة بالعولمة، وھناك من يربطھا بصعود الھويات أو انتھاء صلاح الدولة المركزية، فقد شهدت إسبانيا مؤخراً أكبر أزماتھا السياسية منذ 42 عاماً، مع توجه آلاف «الكتلان» إلى مكاتب الاقتراع للإدلاء بأصواتھم في الاستفتاء على استقلال الإقليم، في تحدٍ صارخ لحكومة مدريد والمحكمة العليا الإسبانية. وإطلاق عناصر مكافحة الشغب عملية أمنية بدأت بمصادرة صناديق الاقتراع، التي أدت إلى اشتباكات عنيفة مع متظاھرين كانوا يتوجھون للتصويت في الاستفتاء المحظور حول استقلال كاتالونيا ما أدى الى سقوط مئات الجرحى. ردود الفعل الغاضبة توالت على استخدام مدريد القوة ضد سكان الإقليم. فقد تعالت الأصوات المطالبة باستقالة رئيس الحكومة الإسبانية، وطالبت رئيسة بلدية برشلونة، ادا كولاو، باستقالة رئيس الوزراء الإسباني، وشاركھا في الطلبات عدد من قيادات إقليم كاتالونيا بعد استخدام قوات الأمن المدني التابعة لمدريد «القوة المفرطة» ضد الناخبين. بينما الحكومة الإسبانية وصفت عملية التصويت بغير الشرعية، وطالبت قيادات إقليم كاتالونيا بوقف ما أسمته «استفتاء المھزلة». حكومة الإقليم ردت على انتقادات مدريد بعدّ تصرفھا «عودة إلى عصور الديكتاتورية» وتجاھلا للديمقراطية. كما لفتت إلى أن حجم الضرر الذي سيلاحق سجل إسبانيا الحقوقي خلال السنوات المقبلة، سيكون كبيراً.في المقابل، ھددت مصارف كبرى بمغادرة إقليم كاتالونيا بعد أن تعھد قادة الإقليم بالانفصال عن إسبانيا إثر رفض الحكومة في مدريد دعوات الوساطة في الأزمة المستعرة.وذكرت تقارير إعلامية أن بنك كايكسا، أكبر بنوك كاتالونيا، يدرس أيضا تغيير مقره بعيدا عن الإقليم. وسيطرت المخاوف حيال رابع أقوى اقتصاد في أوروبا على تغطية الإعلام الإسباني للأزمة. وعنونت صحيفة «إل باييس» اليومية البارزة أن التراجع في البورصة ھو الأسوأ منذ الموافقة على «بريكست» في استفتاء بريطانيا في حزيران 2016.إن إعلان استقلال كاتالونيا من جانب واحد سيقحم الدولة الإسبانية في أزمة دستورية ويقربھا من المجھول، ويثير قلق أوروبا، نظرا لأبعاد الأزمة والمتغيرات والسيناريوھات التي ستحصل في حال الانفصال. وفي الواقع، تعيش إسبانيا راھنا مرحلة عصيبة في تاريخھا المعاصر، فالتطورات الحاصلة في كاتالونيا تنذر بعدد من المؤشرات التي قد تھدد وحدة إسبانيا بشكل خاص، والاتحاد الأوروبي نفسه بشكل عام. وھو ما دفع كثيرا من المراقبين بوصف الأزمة في إسبانيا بأنھا الأكثر إضرارا بمنطقة اليورو، وقد تكون أسوأ وقعاً حتى من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وإذا مضى القادة القوميون في إقليم كاتالونيا قدما في مشروع إنجاز الاستقلال عن المملكة الإسبانية، تصبح إسبانيا مھددة بالتفكك، لأنه قد لا يكون إقليم كاتالونيا وحده الذي سيطالب بالانفصال خلال المرحلة المقبلة، إذ يشجع ھذا الموقف كثيرا من الحركات القومية الانفصالية في إسبانيا إلى انتھاج الطريق نفسھا، وخصوصا إقليم الباسك وإقليم الأندلس.ومن المفارقات الزمنية أن مشروع كاتالونيا الإسبانية للانفصال تحرك في العام ذاته لمشروع كردستان العراقية، وأن الاستفتاء في الإقليمين جرى في المدة ذاتھا. ورغم أن لا شيء يجمع بين الإقليمين الإسباني والعراقي، لا في التاريخ ولا في الجغرافيا ولا في العوامل المؤثرة والظروف المحيطة، وإنما يجمعھما مسار دولي ذاھب باتجاه إحياء النزعات القومية والاقلوية والانفصالية، في موازاة تفكك وانھيار الأنظمة الشمولية والتكتلات الكبرى والدول المركّبة.يذكر ان مجلس الشيوخ الإسباني صوّت لصالح منح مدريد سلطات لفرض حكمها المباشر على إقليم كتالونيا بعد وقت قصير من إقرار برلمان الإقليم، الذي يتمتع بحكم شبه ذاتي، قراراً يعلن من خلاله الاستقلال.وأيد 214 عضواً في المجلس الاجراءات التي تتيح لمدريد السيطرة على كتالونيا والإطاحة برئيس الإقليم كارليس بوتشيمون وحكومته، فيما رفضها 47 وامتنع عضو واحد عن التصويت.ودعا رئيس الوزراء الإسباني ماريانو راخوي، إثر تصويت البرلمان الكتالوني بأغلبية ساحقة لصالح استقلال الإقليم، إلى الهدوء.وقال في تغريدة عبر موقع تويتر «أدعو كل الإسبان للهدوء. حكم القانون سيعيد الشرعية في كتالونيا».وفي هذا الإطار، أعلنت المفوضية الأوروبية رفضها التعليق بعد إعلان البرلمان الكتالوني الاستقلال، فيما أعلنت الولايات المتحدة الأميركية أنها تدعم اجراءات الحكومة الاسبانية للحفاظ على وحدة البلاد.كما أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دعمه الكامل للحكومة الإسبانية.وفي سياق متصل، أكد رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك الجمعة أن مدريد «تبقى المحاور الوحيد» للتكتل.
وكتب توسك عبر موقع «تويتر» عقب جلسة التصويت في كتالونيا «لا شيء تغير بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي. تبقى إسبانيا المحاور الوحيد بالنسبة لنا»، داعياً الحكومة الإسبانية إلى «إعطاء الأولوية لقوة الحجة، لا لحجة القوة».



