المجتمع السني ومنهج إماتة القلوب
سيد الملح
عندما يعرض لكمالية الإسلام بوصفه خاتما للأديان والرسالات وذلك لطبيعة الخصائص والصفات التي تجعل منه مناسبا لكل الامتداد الزماني والمكاني من البعثة النبوية المباركة ولحين ما يطوي الله الأرض ومن عليها يذكر في هذا الإطار التوازن المثالي فيه لبناء الروح والجسد والعقل والقلب والعاطفة والحس والباطن والظاهر، بحيث يتكفل مزيج النصوص المتعددة الوجوه والسيرة المتنوعة لأمناء الدين توفير غذاء متكامل لحصول هذه النتيجة.
إن هذه القدرة على الموائمة والاستمرارية فقدت أسبابها تدريجيا مع أول حالات الانحراف عن المنهج المحمدي والذي أشار إليه القرآن بقوله تعالى «انقلبتم على أعقابكم» وهكذا تأسس إسلام جديد في مراحل مختلفة قادها منطق الغلبة والقوة وسياسية فرض الأمر الواقع، ثم أعاد أنتاج المحتوى الديني «فهم النص وطريقة العمل» مع «الرب والعباد» في ظل ثقافة تبريري «تشرعن وتعقلن وتفلسف» ما تم تأسيسه بالقوة، ومع ذلك كان هذا الـاسيس متشظيا.
تكمن أعظم الخسارات في ظل حالة الانحراف التفريط بالمدخل الحيوي الفاعل الذي وضعه «الله» كلغز غريب في قضية أجر الرسالة ،حيث يلقن النبي محمد (ص) أن يقول للناس « «قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى» ، وفي ظل هذا التوجيه صار الحب كممارسة إيمانية فرض واجب للوفاء بحق الرسالة ،ولم يلتفت نهج الانحراف النفعي أن عملية التفريط بهذا المدخل لم يكن فقط «عقوقا» للقرآن وربه وللرسول ؛ بل هو في الحقيقة خسارة فادحة لسبيل بناء القلوب والأرواح وتهذيب العواطف والنفوس ، والتي هي قيمة الإيمان الحقيقية ،فالدين هو الحب والعقيدة محطها القلب وهوية الإسلام الأخلاق التي تعني الرفق في مجملها العام ،كما أن مرتكز العبادة النوايا ،ومحورها الصلاة التي هي دعاء للقرب وساحة للتطهير والتوسل.
لم يكتفِ منهج الانحراف بهذا الإقصاء؛ بل خلق قطيعة مع كل حدث تاريخي يدخل في عملية بناء القلوب والأرواح وعلى رأسها «فاجعة كربلاء» والموقف النفسي والعاطفي منها، فحرم أتباعه من «الحسين» والذي كان ولا يزال بمثابة ميسم النار الذي يطهر النفوس من الغلظة والقسوة في إطار تفجع واعي يتحرك في دائرة القرب الإلهي ضمن سلوك إنساني مميز.
ومع صعود «أبن تيمية» وإسلامه وصولا إلى «محمد عبد الوهاب» وانتهاء بقادة التكفير والتطرف فإن هذا المسار أطلق رصاصته على آخر بقايا ما يمت بصلة لأي بناء روحي أو نفسي أو قلبي أو عاطفي لأتباعه، موغلا في «ظاهرية» متعسفة تجرد كل نسك عبادي من روحه وتطرح التوحيد كتجريد حسي خال من اللون والطعم والرائحة بحيث تنتج «إلهاً» خاليا من أهم قوام حقيقته وهي «الرحمة «فالله في ظل هذه الرؤية قوامه القسوة والشدة والغلظة والسطحية».
ومع تربع المنهج السلفي الظاهري على عرش قيادة المجتمع السني منذ أكثر من مئة سنة في ظل مؤامرة متعددة الأطراف على الإسلام والمسلمين، وصيرورة معظم المسلمين كأتباع لمنهج السنة والجماعة القائم على التوحيد الظاهري الساذج والمفارق بقوة لكل شيء له صلة بالعرفان أو التصوف ؛ بل حتى الحكمة والعقائد والذي خلق قطيعة تامة «مؤدلجة» مع الطقوس والشعائر والممارسات القلبية ،وأفرغ القرآن من محتواه الذي كان الأهم فيه أن تخشع قلوب المؤمنين لسماعه وتفيض عيونهم من الدمع ليكون مجرد نصوص لغوية يتبارى في حفظها وضبط إيقاعها الموسيقي وقواعدها اللغوية بحيث صار المسلم في حالة من الصنمية والجمود والتخشب التام.
في مشروعه «المثير للريبة» نقد العقل العربي يصنف المفكر المغربي محمد عابد الجابري مدخلات العقل العربي إلى ثلاثة هي: (البيان ويقصد به الفقه، والبرهان ويقصد به الفلسفة والعقائد، والعرفان ويقصد به العرفان والتصوف)، حيث يقرر أن العرفان يخلق «عقلا مستقيلا» بحسبه منفصلا عن الوجود في إطار إكمال حملة الإجهاض على كل ما يتصل بحقيقة الإيمان وهي الحب، وينتصر إلى «بيان» ظاهري صنمي يحول (العربي المسلم) في ظله إلى كائن باهت المعالم فارغ المحتوى مشبع بالقسوة والكراهية ،فحينما يغيب الخيال تذبل العاطفة لتكون القوة هي الحكم النهائي الذي يصفي ما لا ينسجم بدون رحمة ،فالعقلاني إذ يحرز نصرا لنفسه يكون قد حول كل الحقول الأخرى للفهم إلى خرائب.
لم يكن هذا المدخل المعرفي ترفا فكريا لهذا النص؛ بل هو ضرورة معرفية توقف القارئ الذي يريد أن يعرف ويفهم بدون أحكام مسبقة وآراء جاهزة، أن عملية اغتيال القلب السني تمتد إلى خمسة عشر قرنا مضت منذ أن أعفي المسلم في ظل منهج متصحر من مسؤولية المودة للقربى، ثم تم إكمال هذا الإجهاز في إطار إبعاد كل معرفة قلبية، وفي فقه ظاهري أجوف، ثم صار معاداة «بناء القلوب والأرواح» هدف سياسي ناضلت من أجله كيانات وقوى وهي تتدرع بمقولات «السلف والظاهرية «، والتي انتهت من حيث تعلم أو لا تعلم إلى تحويل الفضاء السني العام إلى بيئة خصبة لمناهج العنف والقتل والإرهاب ،ووجدت جماعات التطرف من السلفيات الجهادية مرورا بالإخوانية المسلحة فالقاعدة وأخواتها وانتهاء بداعش وما يمكن أن تفرخه من تفرعات لاحقة ،أرضية خصبة لعملية تحشيد الطاقات والتجنيد على أسس عقائدية مستقوية بـ (منهج القطع والتلفيق المقصود للنصوص القرآنية والنبوية ،ومعاداة مسالك الحب والقرب في ظل مقاطعة لكل الشعائر والطقوس ،ومزيج تاريخي مزيف قد تم إنتاجه في ظل حكومة قوة الأمر الواقع ،وجهد عالمي منظم لإعادة صياغة كل هذه الأمور في خطاب منسجم الداخل والظاهر وعبر ماكنة دعائية نافذة) الأمر الذي مكن هذه الجماعات من القدرة على الاستقطاب والتجنيد بسخاء من كل مناطق وجود المسلمين.
إن ما يطرح من عمليات تصحيح ومعالجة فكرية لمواجهة التطرف والعنف عبر ما يسمى بتنقية المناهج ومصادر التفكير والتربية من النصوص التي تحرض على العنف أو التي تبيح فرض الأفكار بالقوة أو التي تسمح بتأويلها لتنتج مسوغات دينية تجوز عملية قتل الآخر وإن كانت ضرورية ومهمة إلا أنها ليست المطلب الأهم، وليست بيت القصيد كما يقال، فنحن اليوم بأمس الحاجة إلى مزيد من الردع حيث العشق ضامن السلام.
إن قرار الحب هو قرار اشباع النفس بالحرية حتى تفيض، فينتزع الانسان نفسه من عبثية التبعات، ليرى الحق خارج أسوار القوة. وإذا كنا في العقل محكومين للمصلحة وانفلاق الوعي إلى غاية ووسيلة، وتهديد الضمير بتجاوز الوسيلة للغاية، فإن الحب هو الذي يجعل الإنسان أفقا من المستحيل، وما لاحد له حرام على العقل الاقتراب منه، لذا هو ينبذه بلا فلسفة خطاب استحواذ، فيبقى الإنسان كيانا مستقلا. فكان الحديث عن غايات ووسائل منطق اللافهم بالنسبة لمعجم العاشقين.
لا بد ونحن نتوجه إلى مرحلة إعادة التأهيل في كل المجتمعات التي كانت ساحة للإرهاب الفكري والمسلح «فعلا وفاعلا» أن يكون الاستحقاق الأهم عملية «إحياء القلوب الميتة« جراء منهج منظم لإماتتها، وأن مراجعة منهجية لمدخلات بناء الفرد في هذا المجتمع ضرورة ملحة، وربما يكون الإستعانة بالصوفية المنضبطة كمدخل أولي لهذا الطريق الطويل، ترافقه عملية استحضار واعية لآباء المذاهب السنية من ثقافة الحب والولاء والمودة، وفي ذات الوقت يتم ردع هذا الصراخ الهائج لظاهرية مقيتة خالية من الطعم والرائح تلهج بالسلف كمسوغ مفترى عليه في معظم الأحيان.
أدرك أن هذا المتطلب لن يكون سياسي المنبعث ولا يمكن للدوائر والمؤسسات التي على أرض الواقع سواء ما هو في إطار المسؤوليات التنفيذية أم في إطار الحقل الأكاديمي والتربوي، أن تقوم بهذه المهمة المعقدة والصعبة، ولكن حسبنا أن نبدأ الطريق بحالة التشخيص لمنشأ العلة والداء ويدرك المجتمع السني أي جريمة عظيمة تم اقترافها بحقه عندما تم تجريده من قلبه ومشاعره في إطار عملية منظمة ومسوغة دينيا وفكريا وأخيرا سياسيا.



