النسخة الرقميةثقافية

بقايا اليوم وكازوو ايشيجيرو صاحب نوبل لهذا العام

ابراهيم البهرزي

أعلنت الاكاديمية السويدية عن فوز المؤلف البريطاني (الياباني الوجه فقط) كازوو ايشيجيرو بجائزة نوبل للاداب لهذا العام، وكما كان متوقعا فان نوبل ذهبت هذا العام الى روائي شهير لا يفاجَأ القراء بفوزه برغم ان حظوظه كانت اقل كثيرا من حظوظ مواطنه (بالأصل والوجه) الروائي الياباني الشهير هوراكامي.
وايشجيروو يعد كاتبا بريطانيا لا علاقة له باليابان غير ملامح وجهه، فهو بحسب لقاء صحفي معه يقول (عندما جئت الى بريطانيا، كنت الطفل الياباني الوحيد في المنطقة، ولم يكن هناك من يسألني من أي مجتمع أنت وانا حتى الان لا اشعر باي رابط مع المجتمع الياباني الذين يعيش في لندن، فهو مجتمع عابر، يأكلون في مطاعم يابانية ويرسلون ابناءهم لمدارس يابانية وانا لا افهم ثقافتهم ولا اتكلم اللغة نفسها ولا اعيش حياتي باسلوبهم نفسه، وليس هناك ما يربطني بهم سوى اصلي. واعيش هنا في إنكلترا كما يعيش اي روائي انكليزي).
ولا غرابة ان يحسب حسب تصنيف صحيفة التايمز في المرتبة ٣٢ ضمن قائمتها لأعظم ٥٠ مؤلفا بريطانيا، فهو لم يزر البلاد التي ولد فيها مُذْ غادرها عام ١٩٦٠ وهو في الخامسة من عمره الا بعد ان تجاوز الثلاثين من عمره وصار كاتبا معروفا.
عربيا فان ايشيجيرو قد تمت ترجمته منذ اوائل التسعينيات (في بغداد تحديدا ترجمت روايته الشهيرة والتي نتحدث عنها اليوم مطلع التسعينات تحت عنوان بقايا النهار ولا اتذكر للاسف اسم المترجم حينها). تعد رواية (بقايا اليوم) هي الرواية الأشهر له (ترجمها عربيا ترجمة ثانية المترجم القدير طلعت الشايب) وهذه الرواية التي صدرت عام ١٩٨٩ قد حصلت على البوكر العالمية وطبعت من نسختها الانكليزية فقط خمسة ملايين نسخة في العام الاول من صدورها فَحَسْب، ثم لم تلبث ان أنتجت فيلما في العام ١٩٩٣، وقد ترك الفيلم صدى طيبا ورشح لثمانٍ من جوائز الأوسكار، فقد ساهم في هذا الفيلم خيرة خبرات الانتاج السينمائي،
فإضافة الى ايشيغيرو المؤلف الذي شارك الكاتب الكبير هارولد بنتر في وضع السيناريو والحوار للفيلم. فقد ادى أدواره، السير انتوني هوبكنز في الدور المحوري للرواية والفيلم، رئيس الخدم ستيفنس، بالاضافة الى النجمة ايما ثومبسون وكريستوفر ريف وهيو جرانت وباخراج مايك نيكولز.
حافظ الفيلم على روح الرواية وعلى اسلوب ايشيغيرو المكثف والبعيد عن التفاصيل المسهبة وهو نمط كل شخصيات ايشيغيرو التي تميل دوما للتحفظ والتهذيب والانضباط والاقتصاد في الكلام.
تتحدث (بقايا اليوم) رواية وفيلما عن رئيس خدم انكليزي شديد الانضباط يعمل في قصر لورد انكليزي بمنتهى الإخلاص حتى انه يتناسى مشاعره وعواطفه كرجل في غمرة انشغاله بالخدمة، فهو يعتقد ان اية خدمة يقدمها لسيده اللورد دارلنغتون انما هي خدمة للانسانية جمعاء.
ادى دور هذا الرجل المنضبط ذي الاتيكيت البريطاني الكلاسيكي السير انتوني هوبكنز اداءاً ابهر النقاد والمشاهدين. تبدأ حكاية بقايا اليوم في اليوم الذي تصل فيه رسالة من المس كنتون والتي كانت قبل اكثر من عشرين عاما مدبرة للمنزل. تشكو في رسالتها من مشاكل زوجية ومتاعب حياتها بعد الزواج.
كان قصر اللورد دارلنغتون قدم تم بيعه توا لسيناتور امريكي بعدما ادين صاحب المنزل الأساس بالتعاون مع النازية خلال الحرب. وخلال هذه الاوقات يقنع سيده الجديد بإعادة السيدة كنتون كمديرة للمنزل. وخلال ركوبه السيّارةَ، ذاهبا الى الريف الغربي لاقناع السيدة كنتون بالعودة للعمل في المنزل يتداعى شريط الذكريات بدأ من لحظة وصول الانسة الشابة كنتون (النجمة ايما ثومبسون) كمديرة للمنزل لاول مَرّةً قبل اكثر من عشرين عاما. ثم تتوالى الذكريات عن الحياة داخل المنزل خلال مدة الحرب وعن ذلك الاحساس من المحبّة المتبادلة التي تسري ببطء في نفس الشابة ورئيس الخدم، غير انه لانشغاله وانضباطه الشديد في الولاء لخدمة سيده لا يتخذ موقفا جادا حين تبلغه الانسة كنتون بان شخصا ما قد تقدم للزواج منها، فتعتقد ان عدم مبالاته متأتية من برودة مشاعره ازاءها، فتغادر المنزل مجروحة وتتزوج وتنجب حتى تصله منها الرسالة.
يعبر السير انتوني هوبكنز بعبقريته المعروفة عن مشاعر انسان في اواخر العمر وهو يفكر في عواطفه التي أضاعها في سبيل انضباطه المهني ورغبته الشديدة في استعادة السيدة كنتون كتعويض عن كل الحرمان الروحي والعاطفي الذي عاشه لاجل الخدمة العامة.
غير انه عند الوصول اليها يجد انها قد تطلقت فعلا، ولكنها برغم مشاعرها القديمة فانها تفضل البقاء مع ابنتها الحامل لرعاية طفلتها.
الرواية والفيلم مكتنزان بشجن خفي يمكن احساسه بالم برغم اقتضاب الحوار واقتصاد اللغة الذي مارسه ايشيغيرو.
نتمنى ان نكون قدمنا شيئا بسيطا لعشاق الرواية ومن خلالها السينما، عن كاتب جدير وشهير نال نوبل، خاصة ان السنوات الاخيرة ومن خلال الترجمات جعلت ايشيغيرو اسما مالوفا للقارئ العربي، وهذا هو امتياز نوبل لهذا العام، كاتب شهير لا يثير فوزه بنوبل شيئا من الغرابة كما عودتنا نوبل كثيرا في السنوات الاخيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى