اراءالنسخة الرقمية

مسعود من «التصعيد» لأجل الاستفتاء الى «الحوار الناعم» لأجل «الاستقلال»

محمود الهاشمي
ربما لم يصدق كثيرون ان يواصل مسعود بارزاني تحديه للارادات المحلية والاقليمية والدولية , وان يجري الاستفتاء في الاقليم في موعده المحدد(25 ايلول) . ويعلن النتائج مثلما هو متوقع (93%) لصالح الاستفتاء , وهي خطوة اتبعتها جميع الاقاليم التي خططت للاستقلال عن بلدانها الام , مستعينا بخبراء اسرائيليين , واوربيين , ساندوه في الاستشارة والتخطيط , ودعمته دولة الامارات بالمال وساندته ماكنة اعلامية داخلية وخارجية , استطاعت ان تصنع رايا في الشارع الكوردي , لصالح الاستفتاء , فيما سوقت مسعود على انه الراعي لمصير الكورد ومستقبلهم , بعد ان كان برلمان الاقليم قد سد عليه طريق الولاية الجديدة لرئاسة الاقليم. الاستشارات الجديدة الى السيد مسعود لمرحلة ما بعد الاستفتاء , تجلت في حزمة من التوصيات لمواجهة حزمة الاجراءات الصادرة عن الحكومة الاتحادية , بدأ في موضوع النفط والمطارات والمنافذ الحدودية , وصولا الى التحشيد العسكري سواء من دول الجوار والتنسيق معها أو التحشيد الداخلية . ظهر السيد مسعود بعد الاستفتاء بيوم واحد محاطا بعلمين عراقيين على يمينه وشماله, وفي كلمة له مرة باللغة بالعربية واخرى بالكوردية , وبدا وكأنه (حمامة سلام) فهو يرغب بالحوار مع بغداد , ومستعد لمناقشة كل المتعلقات , ثم راح يتحدث انه يدرك معنى الشراكة مع (اخوته العرب) , لكنه حين سئل عن (الاستفتاء) وشرط الحكومة في الغائه مقابل الحوار , قال: (هذا راي الشعب الكوردي وليس رأيي) .وقال: (نحن جاران صديقان ومتحابان) وعلى الفور تبنت الاحزاب والشخصيات السياسية والاعلامية القريبة من السيد مسعود خطابه (الناعم ) واعتمدت (المسكنة ) في حواراتها وكأنها قبل يوم لم تكن هي من أشعلت أفواه (المايكات) ووسائل الاعلام بالساخن من الخطابات والتحريض على (العرب) و(التركمان) وفك الشراكة مع بغداد , وجزع الاكراد من هذه (الشراكة) فيما تولت وسائل الاعلام الناطقة بالكوردية , اشعال الشارع الكوردي, بالمشاركة بالاستفتاء وأبسط اللافتات كتب عليها (وداعا ياعراق)!!.
المستشارون الذين يغذون العقل (المسعودي) ومنهم الذين تم عرض اسمائهم من قبل اللجنة البرلمانية المكلفة بمتابعة ملف (الاستفتاء) في كوردستان هم (بيرنار ,غوليرث,خليل زادة) وهناك العشرات من الذين ظهرت صورهم وهم يحيطون السيد مسعود في احد الاجتماعات. هؤلاء اوصوه بما هو آتٍ :-
1- أن ترفع كل مظاهر الاستفتاء كونه اصبح حقيقة سواء على مستوى الداخل الكوردي الذي عليه ان يتحمل مسؤولية التصويت وتبعاته, أو على مستوى العالم والمنظمات الدولية بان (هذا الشعب) صوت للاستقلال , واول بوادر هذه التوصية ,رفع علم الاقليم من السيارات ومعاقبة من يخاف ذلك .
2- اظهار (التودد) الى الحكومة الاتحادية ودول الجوار بان الاقليم ضامن لحقوق الجيرة ويحترمها , وقد ظهر هذا الخطاب واضحا لدى جميع الاوساط الكوردية ولدى مسعود نفسه .
3- الخروج بتظاهرات من قبل الشعب للمطالبة بايقاف الاجراءات الحكومية ضد الشعب في الاقليم , فيما ستتولى وسائل الاعلام الساندة عرض مظلومية الشعب تحت وطأت العقوبات .
4- الاستعداد لاجراء الحوار سواء مع الحكومة الاتحادية أو مع دول الجوار على جميع القضايا العالقة والحفاظ على مكسب (الاستفتاء).
5- تغييب العلم الاسرائيلي واوجه الصهاينة سواء في الاقليم أو خارجه في أي نشاط كوردي وانكار العلاقة مع اسرائيل .
6- محاولة كسب رضا بغداد , لاضعاف موقف دول الجوار الساندة له.
7- محاولة كسب رضا واغراء دول الجوار منفردين , عبر سلسلة من التفاهمات والصفقات الاقتصادية .
8- بالنسبة للنواب الاكراد والموظفين الذين يعملون بالحكومة التحادية والذين يتجاوز عددهم (200) الف سوف يعلنون انهم لم يصوتوا للاستقلال , انما لمجرد (الاستفتاء) وانهم لم يخالفوا الدستور , لغرض العودة للبرلمان والتأثير في القرار , وكذلك الموظفين , الذين يتلقون أعلى الرواتب , فانهم من الضروي العودة للعمل لغرض التأثير واضعاف دور الحكومة في الداخل واشغالها .
9- ستتولى ماكنات اعلامية التأكيد على ضرورة الفصل بين الاحزاب التي تولت (الاستفتاء) وبين الشعب الذي وقع تحت تأثير الاعلام وصوت (بنعم) ويطالبون بعدم معاقبة الشعب كونه ضحية (للسياسيين)ومؤامراتهم .
10- ستبقى وسائل الاعلام الكوردية ترقص وتهزج للاستفتاء والاستقلال , فيما تتبنى القنوات الناطقة بالعربية واللغات الاخرى لغة الهدوء وامتصاص ردود الفعل .
11- ستعمل ادارة الاقليم خلال هذه الفترة لامتصاص ردود شعب الاقليم عبر شعار (الصمود حتى الاستقلال) واستخدام اسلوب التدبير والتقتير لحين تجاوز الازمة .
12- ستضغط سلطة الاقليم على الولايات المتحدة والدول الصديقة لها في عدم حدوث تماس عسكري ومواجهات بين القوات الحكومية والبيشمركة جهد الامكان , حتى يستقيم لهم الامر في ترتيب البيت السياسي والاقتصادي والامني .
13- الوصية العامة في ذلك انه على قادة الاقليم استخدام (النفس الطويل) مع الجميع وخاصة مع العرب لانهم (امة نفسها قصير) حسب فهمهم .
14- محاولة الاستفادة من الجانب الطائفي في العراق , فالتأكيد على (السنة) على ان الشيعة قد همشوكم في ادارة الدولة ووقفوا مع الاكراد ضدكم ومن الممكن اقامة دولة منفصلة للسنة والتخلص من الهيمنة الشيعية المدعومة من ايران , فيما تحريك (الجانب الشعوري) لدى (الشيعة) لما عرف عنهم من (قلوب طيبة) للضغط على الحكومة واضعاف دورها في اجراء العقوبات على الاقليم .
15- هناك اجراءات خارجية ستساعد الاقليم في موقفه عبر اعتماد المال الخليجي للضغط على شخصيات سياسية عراقية لتغيير موقفها أو عبر تحفيز الجانب الطائفي الاقليمي بان الشيعة تظلم السنة في الاقليم !!
16- ستحاول جهات خارجية وداخلية اثارة الروح القومية لدى اكراد الدول المجاورة في الضغط على حكوماتهم في تغيير مواقفها.
17- محاولة طمأنة الدول المجاورة والبعيدة التي فيها تعددية قومية وطائفية ان الاقليم فقط يرغب بالاستفتاء وليس (الاستقلال) . .
١٨- اجتمع برلمان الاقليم وقرر دعوة النواب لحضور جلسات البرلمان الاتحادي والمشاركة بقوة في الانتخابات المقبلة واضعاف دور البرلمان ومحاولة استمالة اتحاد القوى وتيار شيعي اخر لتكوين كتلة اكبر .
لا شك ان العراق سيكون الخاسر الاول في عملية الاستفتاء ثم الانفصال وللاسباب الاتية:-
1- العراق مهدد في وحدته، وفي جبهاته الداخلية، وهو ما راهنت عليه إسرائيل وما وصفته بالمواجهة بين السنة والشيعة وبين الاكراد والعرب بين التركمان والاكراد في العراق.
2- العراق مهدد بأمنه القومي نتيجة لتراكم عوامل جديدة كالتهديد المائي الذي سيتصاعد ويتفاعل، ووفق العديد من التحليلات الدولية، فإنّ المستجدات والمتغيرات في الاقليم ستصاعد من التحديات الأمنية الأخرى حيث ستتواجد اسرائيل جواره وتخطط لمواجهة مع دول الجوار ومع العراق , كما ان الارهاب سيجد في جبال الشمال العراقي موطئ قدم لتنفيذ اعماله الارهابية .
3- سيتم اقتطاع ثلث اراضيه لتتكون دولة الى جواره , تعمل باجندات خارجية وتثأر منه باعتباره كان يوما خصما لمشروعه .
4 – مزيد من التدهور في مكانة العراق عربيا وإقليميا ودوليا، هذا التدهور سيقود قوى دولية كالولايات المتحدة للتقليل من فاعلية الدور العراقي في نطاق التوظيف الإقليمي، ويزيد من أهمية دور كوردستان وكتلة الدول المتحالف معها حتى على الصعيد السياسي فإنّ هناك أوساطا أمريكية راحت تشكك في فاعلية دور العراق كوسيط في أية قضية سياسية ودبلوماسية كما حدث في الاعلان عن وساطة عراقية بين السعودية وايران حيث سرعان ما تنكرت السعودية لذلك .
5- سيصاب العراق باللعنة امام الاجيال اللاحقة والحاضرة , بأن قادته لم يحفظوا العهد في الحفاظ على وحدة ارضهم ومياههم , كما ينظر الى رئيس الاتحاد السوفيتي السابق (غورباتشوف) بأنه وراء تشظي الاتحاد السوفيتي وانتهاء دوره التاريخي .
يقابل ذلك فأن هذه التداعيات متعددة وحاملة لكل عناصر التأزم، فإنّ النظام في العراق غير قادر ولا مؤهل لإدارتها والتعامل معها باقتدار طالما أنّه يفتقد إلى استقلالية القرار واعتماد نظام المحاصصة الطائفية والعرقية في ادارة الدولة اولا ثم حجم التدخلات الدولية في شأنه الداخلي وصعوبة الموقف برغم كل الذي اسلفناه الا ان لدى العراق ادوات المواجهة ما يجعله اكثر تماسكا في ادارة الازمة مع الاقليم , وعدم ترك الحبل على الغارب , في انتظار ردود الفعل الدولية أو ما يفعله الاقليم , فالعراق بلد غني (غير السودان مثلا) الذي انفصل عنها الجنوب وبانتظار المزيد من الانفصالات.
في ابيي وكورفان ودارفور وغيرها , كما ان موقعه الجغرافي وقوة جيشه ومنعه حدوده وتوافق دول الجوار مع تصويب رأيه في وحدة العراق , وثقافة شعبه , وحجم علاقاته الدولية تؤهله ان ينجح في مهمته لا لغرض الحفاظ على الارض فقط انما الحفاظ على بلد متماسك بتنوعه الانساني والفكري والعرقي والطائفي والديني , كما لا يكون مورد قلق واضطراب في المنطقة فيطمع به الابعد والاقرب , خاصة في ظل هجمة صهيونية شرسة , وخارطة جديدة يخطط لها الاعداء على مساحة الشرق الاوسط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى