حب عقيم


ريم سعد مجيد
بحثت في خاتمها عن ذكرياتها التي بقيت وفية لها، رأت صوراً جميلة كانت تود مشاركتها مع أطفالها حين مجيئهم. ابتلعت عيناها الدموع التي اوشكت النزول، لم تُرد قط أن تُرى مكسورة، حزينة، واقفة بلا حولٍ ولا قوة. لكن اليوم شعور مختلف يطرق بابها يأمرها بالبكاء، تمنت أن تكون في حلم وسيأتي مَن يوقظها، لكنها الحقيقة المُرة التي تجرعتها رغماً عن أنفها، لا يعقل أن يفعل بها كل هذا، وهو عينه الذي وعدها بأن يحبها طول العمر، فما الذي جرى؟!
ودتْ لو يجلس معها ويشرح لها كل شيء، فقد بدا الأمر غامضا جدا، وهي لا تعلم الأسباب، تساءلت كثيرا لكن لا مجيب !
اما هو فقد تجاهل مشاعرها، وتجنب النظر إليها، وها هو اليوم الذي سيتواجهان به؛ لثوانٍ او دقائق أو ربما ساعات. وبعدها الفراق الأكبر، أنى لقلبها الحنون تحمل فراقه؟!
فبالرغم مما جرى، كانت مستعدة ان تشري عمرها مقابل عناقٍ قصير يكفيها أن يلتصق عطره في ملابسها لتخدع نفسها بأنه ينام بجوارها ليلاً، رغبتها شديدة لكن كبحت جماح نفسها بالتجلد، حاول الجميع إقناعها بالبكاء والصراخ كي تبعد غيوم الآهات عن نفسها قليلا، ظلت صامتة كي لا يظنها ضعيفة، فهذا آخر ما كانت تريده اليوم، وفي الحقيقة كان هو اشد بكاءاً منها في داخله، وادعى بأنه مظلوم مثلها ولم يكن بيده حيلة سوى الإستمرار في لعبة أمه ـ هذا ما وردها في رسالة منه في الصباح ـ لكن أين رجولته؟ وكيف طاوعهم في التخلي عنها؟ أم انه كان رجلا عليها فقط؟! هذا ماعرفَتْهُ بعد فوات الأوان.
حان وقت قضيتهما، وقفتْ أمام القاضي بإباء وتجَلُد عكسه تماما فقد تَيَقن بخسرانه جوهرته الثمينة التي لن يجد مثيلا لها.وما إن بدأت الجلسة حتى شعرتْ بوخز الألم يسري في جسدها، قاومت حتى النهاية واثبتت أمام مرأى الجميع مدى قوتها، وامام نفسها كان يحدث العكس فلم تحتمل الكذب أكثر، فخذاع الناس سهلٌ يسير، بينما خداع النفس صعبٌ عسير.
الكلمات التي تسمعها تتراشق عليها كوابل السهام المسمومة، ختم القاضي ما عنده، حان دور أمجد كي يطلقها أمام القاضي، خارت قواها وشعرت بغثيانٍ شديد، نهض اخوها مسرعا كي يسندها ولا تقع، فهو الوحيد الذي يعلم مدى شغفها بأمجد اراد ان يفجر طلقة في راسه ثأرا لأخته، لكنه يعلم ماعاقبته لذلك توانى عن فكرته، تشبثتْ بيده بقوة وحال خروج امجد، دفنتْ رأسها في حضن اخيها، والدموع تتقاذف مسرعة، فقد صارت مطلقة رسميا، والأدهى منه هو طلاقها ممن باعت الدنيا لأجله وطاوعته في كل شيء. عادت الى أهلها فارغة الوفاض إلا من دموعٍ واحزانٍ ما فارقتها.
أغلقت على نفسها باب الغرفة وبدأت بالصراخ وتحطيم كل ما رأته عيناها، جُنَّتْ بسببه، حاولت امها واختاها وتوسلْنَّ أن تفتح لهن الباب، فزاد صراخها، عاد مرتضى مسرعا أخبرها أن تفتح له الباب، لم يسمع جوابا، لم يتردد في كسره، وجدوا غرفتها فوضى وملابس ممزقة بالإضافة الى علب تجميل مبعثرة في الأرض وقد حُطمتْ تماما، أما حالها فيبدو انها تعبت ولاذت الى النوم. انتشلها من الأرض و وضعها على سريرها، وجلس جنبها أرضا، طلب من امه واخُتيهِ أن يعدن ترتيب الغرفة دون إصدار ضجة، بقي يلاعب شعرها، يستعيد ذكرياته معها ـ فهي الأقرب إليه من الباقيات ـ رأى الكدمات تملأ وجهها وجسدها لكنها لم تستطع إخفاء جمالها، نظر لوجهها وعادت أيام الطفولة بكل حذافيرها أمام مرآهُ، حاول إنتشال أخته مما هي فيه، و وجد ان فرشاتها هي القادرة رتق ثقوب قلبها ولم شتات روحها.
نهضت من نومها ونهضت معها الآلام، يبدو ان اختيها قد أعادتا الأغراض الى أماكنها ورمي البواقي المتكسرات، فقد لاحظتْ نظافة غرفتها بعدما تركتها وكأنما هناك زلزال اجتاحها. فجأة تذكرت أمرا غاية في الأهمية «أين حقيبتي؟! اللعنة أين هي؟!
جالت الغرفة بحثا عنها، وجدتها مختبئة بما فيها تحت سريرها، أسرعت لإخراجها، فتشت فيها، بعثرت ملابسها أرضا «آه.. حمدا لله أني وجدتك». ضمت الصورة تحت أضلاعها، قبّلتها، شمت ريحها، وخبأتها تحت فراشها كي تشعر بقربه منها! أهو هوسٌ أم ماذا؟ مَن يصدق بأنها جلبت صورته معها؟ لا أحد ولا حتى ذاتها..
هل الحب يقتل كرامتنا أم نحن الذين نتقبله بدعوى الشهادة فيه؟ ماذا يبقى لنا إن أطعنا قلوبنا؟ هل نجني نفس الذي نعطيه أم ماذا؟ ما الحب؟ تمعنوا قليلا، حرفانِ هما سبب أغلب مشاكلنا؛ حاءٌ ثم بعده الباءْ! اهو: متاعبٌ و شقاء, سقم وإبتلاء, فراغ وإمتلاء؟ اصمتوا كفى تعسا لكم ولبرامجكم التافهة. هكذا قالت وهي تسمع هذه الخاطرة من برنامجٍ يومي بعنوان «خربشاتُ أنثى» يُبث على الفيس بوك يوميا في المساء. إتخذت عهدا في قرارة نفسها بأن تظهر قوتها وعدم إكتراثٍ لكل ما حصل معها، وهمّتْ تنفذ الأمر، إرتدت أفضل ثيابها، وضعت زينتها وكأنما حفل زفافها اليوم، مع القليل من أحمر الشفاه بدوره سيعيد لها نظارتها. طلت على أهلها، كانت غاية في الجمال والأناقة، ممشوقة، دقيقة الخصر، شعرها البُني يتدلى على أكتافها خجلا، ثغرها، عيناها، وجنتاها، انفها، كل ما فيها يوحي بجمال لوحةٍ أتُقنَ رسمها.
يا لهذا الجمال الأخّاذ ، تعالَيْ يا حبيبة أمك.
أسرعت خطاها لتتلقف الدفء والأمان، أخبرتهم بأنها جائعة. وما هي إلا ثوانٍ والطعام ينتظرها. كانت المائدة معدة بعناية بالغة، وكل الأطباق التي تحبها. عاد مرتضى إلى المنزل بعد إتصال أخته نور وطمأنته على سلامة اختهما، وليأتي فورا ليتناول معهم العشاء. بعد إكماله إقترحتْ أن يذهبوا لمدينة الملاهي، وبالطبع وافق الجميع نزولا عند رغبتها. جربت كل الألعاب الخطرة، برغم تخوفها منها، لكن مرتضى يعلم بأنها تحاول استفراغ ما بداخلها من ألم من دون أن يشعروا. لذلك شجعها أكثر، فقد أخذ بالصراخ بأعلى صوت امكنه بدعوى الخوف والمتعة. عادوا الى البيت مرهقين جدا، فذهب كل الى غرفته للنوم، إلا هي، فأخذت تطالع فلم رعب معروضاً على التلفاز, وغفت ـ بعد بكاء مرير ـ على الكنبة.اليوم هو مميزٌ لها فهو يوم افتتاح معرضها الأول في المتنبي، أرادت أن يكون بالقرب من ساعة القشلة، فجو كانون الثاني يغريها أكثر. وكان للحاضرين كبير الدور، ولا سيما مع عباراتهم التشجيعية وثنائهم على لوحاتها، مما جعلها تنتفض من حزنها. وبالقرب منه كانت هناك مسابقةٌ للرسم ومَنْ يفُز فستكون جائزته قصيدة باسمه مع علبة ألوان زيتية. حبها للمنافسة جعلها تشارك. أجلست مرتضى بمكانها، والتحقتْ بالمتنافسين، وهي (أيُّهم الأسرع في رسم فنان)، هذا خفف عنها العبء. فهي تحفظ ملامحه عن ظهر غيب، لم تنظر الى اللوحة التي أمامها لكي ترسم مثيلتها إنما وضعت السماعة في أذنها والطرف الآخر في هاتفها المحمول، اطلقت العنان لنفسها كي تبدأ رحلتها. وما هي إلا عشرُ دقائق حتى رفعت يدها معلنة إكمال اللوحة، شغر الجميع فاههُ كيف إستطاعتْ وبهذه الدقة! إلا شخصاً واحدا ما ظهرت عليه إمارات العجب، تسلمت هديتها وفور مغادرتها كي تعود أدراجها صوب معرضها، ناداها صوت من خلفها (كنتِ بارعة جدا، ظننتك لن تستمري بعدي).
تسمرت في موضعها، جسمها يرتجف، لم تلتفت له أكملت مسيرتها بخطى أسرع.
ـ لا تهربي أريد ان اخبرك أمرا واحدا وكفى أرجوكِ.
وقفتْ متأففة وقالت: هلا صمتَّ، ان صوتك كنعيق البوم يجلب البؤس والسوء ابتعد عني هيا بسرعة.
ـ مهما قلتِ لن أصدقك، أنتِ ما زلت مغرمة بي مثلما أنا، لكنكِ تكابرين، أمي ماتت منذ شهر لذلك نستطيع العودة لبعضنا مجدداً.
ـ مر على طلاقنا ستة أشهر، تعذبتُ فيما يكفي، كم مرة خدعت نفسي بأني عندما انام سأصحو على صوتك وبكل مرة يزداد بها حنقي عليك الى ان بتُ أبغضك، ما كانت لديك القوة لتقف وتعلن حبك إخترت الاستسلام وانا أشمئز من الرجال الجبناء.
ـ أتوسل إليكِ أن تعودي لي.
ـ اقسم بالله إن لم تغرب عن وجهي فسأجعلك فأر تجارب لكل من يريد إختبار عضلاته.
ـ عذبيني، انتقمي كما شئتِ، المهم هو عودتك.
ـ أتذكرْ عندما حذرتك من كسر قلبي بأنه لن يعود كما كان فلماذا تحفر قبرك بيدك؟!
دنا أكثر حاول لمس يدها، لكنها نهرته وذهبت مسرعة. علم منها بأنها فعلا كرهته، أدار ظهره وأكمل كل منهما طريقه وكأنما لم يلتقيا.
يسير و يردد (هل انت سعيدة يا امي العزيزة؟ إبنك الوغد ترك حبه الأول لأجلك وانتِ غدرت به وذهبتِ).



