اخر الأخبار

شخصية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتقدّم الإسلام السريع

1597

الإسلام يشبه المسيحيّة من حيث خروجه من موطنه وتوسّعه في آفاق جديدة. فقد ظهر في جزيرة العرب، ونراه اليوم له أتباع في آسيا وأفريقيا وأوروبا وأمريكا يمثّلون مختلف عناصر البشر، (…)، وقد يكون عدّ المسيحيين أكثر، إلَّا أنَّ في الإسلام خصوصيّة من حيث التوسّع ليست موجودة في المسيحيّة، وهي سرعة انتشار الإسلام,لقد كانت المسيحيّة بطيئة في الانتشار بالمقارنة بسرعة انتشار الإسلام، سواء في موطنه جزيرة العرب أم خارج جزيرة العرب في آسيا وأفريقيا أم في مناطق أُخرى. فلا مندوحة من التساؤل: ما الذي جعل الإسلام سريع الانتشار إلى هذا الحدّ؟ حتّى أنَّ بعض الفرنجة قد أشار إلى ذلك، ومنه الشاعر الفرنسي المعروف (لامارتين) الذي قال: إذا أخذنا ثلاثة أُمور بنظر الاعتبار، فلا يبلغ أحد ما بلغه نبيّ المسلمين:الأوّل: فقدان الوسائل المادّيّة؛ فهذا رجل يظهر ويدّعي دعوة بغير أن تكون له أيّ قدرة أو قوَّة، بل إنَّ أقرب أقربائه يناصبونه العداء. إنَّه يقوم بالدعوة بمفرده، ويبدأ من نفسه وتتبعه زوجته، ويؤمن به طفل يعيش معه في بيته (عليّ بن أبي طالب)، ثمّ يؤمن آخرون بالتدريج، ويظلّ يعاني الصعاب والشدائد..والثاني: سرعة الانتشار وعامل الزمن,والثالث: عظم الهدف,فلو أخذنا بنظر الاعتبار عظم الهدف، وفقدان الوسائل، وسرعة انتشاره، على الرغم من الافتقار إلى الوسائل لبلوغ الهدف، فيكون قول «لامارتين» صحيحًا في أنَّه ليس لنبيّ المسلمين نظير في العالَم.
إنَّ القرآن يبيّن هذا، ويؤيّده التاريخ أيضًا تأييدًا تامًّا، وذلك أنَّ من أسباب التقدّم هو «السيرة النبويّة» وأسلوب حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وأخلاقه وسلوكه وطريقة نشره الدعوة. فهذه كلّها كان لها تأثير كبير في نشر الدعوة. بديهيّ أنَّها لم تكن السبب الوحيد، فالقرآن نفسه الذي هو معجزة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان له تأثيره العميق الجاذب المثير، وكان السبب الأوّل في نفوذ الإسلام وانتشاره في كلّ مكان. فإذا تجاوزنا القرآن، يكون العامل الثاني هو سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشخصيّته وخلقه وسلوكه وأسلوب قيادته وإدارته. وحتّى بعد وفاته ظلّت سيرته التي ذكرها التاريخ بعد ذلك دافعًا مهمًّا في سرعة انتشار الإسلام..وإليكم هذا المثال:عند دخول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مكّة، والظاهر أنَّه كان عند فتح مكّة؛ امرأة من أشراف قريش ترتكب جريمة السرقة، والإسلام يقضي بقطع يد السارق. وقد ثبتت السرقة على المرأة واعترفت هي بها، فكان لا مندوحة من إنزال القصاص بها. وهنا تبدأ الوساطات بالعمل ويتقدّم الوجهاء بالتوصية والرجاء من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألّا يقيم الحدّ عليها، فهي ابنة فلان وهو شخص محترم، وإنَّ إنزال القصاص بابنته سوف يهدر كرامة القبيلة كلّها..فيردّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عليهم: لن يكون هذا أبدًا، فكيف يمكن أن أتغاضى عن إقامة حدود الإسلام؟! فلو لم تكن هذه المرأة من النخبة، ولو لم يكن لها قبيلة وعشيرة، لكنتم جميعًا تطالبونني بإنزال القصاص بها، فالفقير الذي قد يسرق لفقره يجب أن ينال العقاب، ولكنّ هذه المرأة ذات الأصل الشريف ينبغي أن تُعفى من العقاب لأنَّ ذلك يهين كرامة أهلها. لا، لا يمكن تعطيل حدود الله!ورفض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الوساطات والشفاعات. إنَّه لم يكن يلين مطلقًا في قضايا المبدأ، ولكنَّه على العكس من ذلك كان في منتهى اللّين والتعطّف في القضايا الخاصّة، كثير العفو فيها..وكذلك كان الإمام عليّ عليه السلام، فهو في المسائل المبدئيّة العامّة لم يكن يتقبّل أدنى تراجع عن الحقّ، على العكس منه في المسائل الفرديّة حيث كان متعاطفًا بشوشًا، بخلاف أصحاب التديُّن الظاهريّ الذين يريدون ثمن تديُّنهم من الآخرين، فأنت لا ترى على وجوههم سوى التقطيب والعبوس، وإنَّه ليعسر عليك أن تعثر على البسمة على وجه أحدهم، وكأنَّ من لوازم التقوى والتقدُّس أن يكون المرء عبوسًا قمطريرًا. فلماذا، مع أنَّ «المؤمن بِشره في وجهه وحزنه في قلبه»؟..كان عليّ عليه السلام يواجه الناس بوجه بشوش وملامح متفتّحة، كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان يمازح الناس دون الوصول إلى الباطل؛ مثلما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ بل إنَّ من المعايب التي ألصقوها بعليّ عليه السلام كخليفة (لأنَّهم لم يستطيعوا أن يلصقوا به عيبًا حقيقيًّا) هو أنَّه ضاحك الوجه ينزع إلى المزاح، وإنَّ من يكون خليفة المسلمين يجب أن يكون عبوس الوجه، مقطّبًا يخافه الناس كلَّما نظروا إليه..فإذا كان هذا المنطق سليمًا فلماذا لم يكن رسول الله كذلك؟ وهو الذي قال فيه الله سبحانه:﴿ فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ ﴾إذًا فالأسلوب المنطقيّ الذي يرتضيه الإسلام للزعامة والقيادة هو اللّين وحسن الخلق، لا العبوس وخشونة الطبع,كان عليّ عليه السلام في المسائل الخاصّة ليّنًا، حسن الخلق، ضاحكًا، مازحًا، ولكنَّه في المسائل العامّة الكلّيّة المبدئيّة كان جادًّا صلبًا لا ينثني عن الحقّ قيد شعرة..وهكذا كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعليّ عليه السلام صُلبين في الأُمور العامّة وليِّنَين في الأُمور الخاصّة. يقول القرآن استمرارًا لتلك الآية: ﴿ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ ﴾..إنَّ تعلُّق المسلمين وشغفهم بالنبيّ الكريم كان ناشئًا من كرم أخلاقه الذي لم يكن له مثيل بين المسلمين. وهناك أحاديث، يرويها السُّنَّة والشيعة، أنَّ أمثال هؤلاء الأطفال كانوا أحيانًا يتبوّلون في حضن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فكان ذلك مدعاة لانزعاج آبائهم وأمّهاتهم، فيسرعون لكي يستردّوا أبناءهم، ولكنّ النبيّ كان يمنعهم ويقول ما مضمونه: إنَّهم أطفال، فلا تفعلوا ما يقطع تبوّلهم فيمرضون. وهذا ما أثبته اليوم علم النفس والطبّ الحديث، إذ إنَّ الطفل إذا كان يتبوّل في مكان غير مرغوب فيه فنقل وهو على تلك الحالة إلى مكان آخر، أو صُرخ في وجهه، فإنَّه قد يصاب بأمراض لن تفارقه طوال حياته، لأنَّ الطفل في ذلك الوضع يتعرّض لحالة من الهيجان والضياع، لأنَّه يرى عمله طبيعيًّا، ولكنَّه إذ يواجِه غضب أبويه وانفعالهما تنتابه تلك الحالة النفسيّة من الاضطراب والشعور بالذنب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى