المراقب العراقي تنشر رواية «المتلصّصة» للكاتبة اللبنانية زينب فياض


ذاكرة أبي.. طفلة تائهة
المدن وحوش مفترسة. إن ذهبت إليها التهمتك مباشرة. لا تعود للمشاعر أيّة أهميّة. كلّ ما تحتاجه الكثير من القوة والقليل من المعارف، ليس لأنك ستحتاجها، بتاتاً، بل لأنك ستُضطر أن تتكلم مع أحدهم ليدلّك على خرائط الطرق المبهمة وقوانين اللعب مع الكبار.
الأحياء الشعبية مع كلّ بشاعتها وفقرها المدقع هي أكثر لطفاً بك، أقلّه تعلم قوانين وأنظمة الجشع والظلم فيها، تعرف مَن هو السيد الأكبر الحاكم، بقليل من التودّد يمكنك أن تحتويه ويصبح الندّ اللطيف لك، تجعله رئيسك بإرادتك وحنكتك. في المدن لك رئيس حاكم مخفيّ لا تعلمه وسلطة أكبر تجهلها.
هذا التأقلم البغيض مع المدن وقوانينها يجعلك لصّاً تسرق يومياتكلتحتفظ بروحك. كانت الروح التي قاتلت من أجلها غالية عليّ، لأن أمي ويوسف يسكنانها.
الآن
(رائحة الكتب بعضها يشبه المدن والقليل منها يوازي الحقول بشذاها. بائع كتب تدهشه الروائح أكثر من الحروف هو بائع بائس تعيس وحيد كوحشة السطور الخاوية من بصمات قارئيها. يعتزم هذا الوحيد المنهك أن يأخذ كلّ كتبه المترفّه منها، كالنخبة الراقية من أهل المدن، والمشردة منها كغجريات القرى النائية حتى الكتب يمكن أن يصنّفها ذلك الخبير. سيضعها على عربة قديمة مهترئة حتى لا يميّزها المارة، الذين سيشفقون على كتبه وقلبه معاً).
ينظر نحوي هادي بوجه ضاحك «بائع الكتب هذا، أنا؟» أخذت الورقة من بين يديه كأنني لبوة أنقضّ على فريسة لا رغبة بالتهامها، ولكن لأجعلها ترتعد خوفاً، «حين تقرأ لي نصّاً لا تقم بإسقاطاتك عليه. أقوم بكتابة أمور وعليك أن تقرأ وتعطيني رأيك».للمرة الأولى أبدو مستبدّة بهذا الشكل المخيف مع هادي. كلّ ما أريده أن يفهم أنني أقوم بتدوين نصوصي عنه. لا حاجة ليسألني كطفل صغير يعرف الأجابة مسبقاً، لكنه يتدلّل بسؤاله الطفوليّ. تابع كلامه وهو ما زال يبتسم بفخر وبعض اللؤم كمن فاز بهدية رغماً عني «لا بدّ لي أن أعرّفك إلى صديقي، هو كأبي بل أكثر. أعتقد ستحبين الجلوس معه والتحدّث إليه». أجبته بكلّ حماسة «حسناً كلّ مرّة تخبرني عنه وتتناسى أن تأخذني إليه، دعنا نذهب الآن، خير البرّ عاجله». ما لبث أن حمل هاتفه واتّصل به والفرحة تغمره، وحين أنهى المحادثة قال لي بكلّ سرور «دقائق وسيكون هنا».
فرات، هذا اسمه. ضحكت كثيراً حين مدّ يده ليصافحني ذاكراً لي اسمه، فيده رقراقة كماء زلال ناعمة كزبد بحر بل سريعة التفلت من اليد التي تصافحها. يبدو أنني بدأت بالتلصّص على أجساد الناس في المدينة. فهذا هو الأمر الوحيد المتاح ليوسط ضجيجها المقيت. فراتفي أواخر العقد الرابع من عمره لذلك يطلق عليه هادي دوماً صفة الوالد، بدا لي وسيماً جداً خصوصاً الشعر الأبيض المائل للرمادي الذي اكتسح مساحة واسعة من شعره. لا أعرف تماماً مصدر تعلّقي وإعجابي وانبهاري بهذا اللون، جلّ ما أعرفه أنني أنجذب له بسرعة. قطعت حبل تفكيري دعوته لنا لشرب فنجان قهوة في مقهى قريب من المكتبة. رحّبت بالدعوة بكلّ سرور واشترطت حضور عارف معنا. لم أستطع يوماً أن أخرج لأي مكان دونه، فهو يُعطيني الأمان حين أوجد مع الآخرين في أماكن عامة.
طوال جلستنا كان عارف ينظر إليّ مستغرباً حيناً ومصدوماً أحياناً لسرعة انخراطي في جوّ لم اعتده مسبقاً. هو يدري تماماً سوء تفكيري، بجلسات كهذه فأنا سريعة الملل قليلة الكلام بخيلة المشاعر مع أشخاص أجالسهم للمرة الأولى. فرات مختلف جداً.
الحديث معه كمن يفتح مصاريع العقل والقلب دون استئذان، لا ينتهي من حديث مشوق إلاّ ويبدأ بآخر أكثر إثارة. يلامس الروح بأحاديث العشق والتصوّف ثم يُبهرك بأفكاره السياسية والاجتماعية. يطرق ألف دهشة وسؤال ويبعثر كلّ ما قد جمعه العقل سابقاً. أحسست بنشوة الانجذاب للمرة الأولى، بل كان هناك شيء آخر قد تملّكني في تلك الجلسة. أمر غريب جعل عاطفتي تتحوّل، تلك العاطفة والمشاعر التي لم أعتدها مسبقاً. التعلّق المميت بشخص غريب لأول مرة ألتقيه. تمنيّت أنّ يطيل الجلوس معنا وأن لا ينتهي من كلامه. وفجأة طلبت منه أمراً غريباً؛ غريب بالنسبة لعارف وهادي «هل لي بجلسة أخرى معك لآخذ رأيك بما أكتبه»؟ كلمة (لي) جعلت عارف يرمقني باستغراب. لم أقل (لنا). هذا يعني أني أريد الاستفراد بفرات في جلسة خاصة بنا فقط. الجميع فهم الأمر على هذا الشكل. هذا بالضبط ما أردته، أن نكون بمفردنا. لم أنتبه إلى أن الجميع امتعضوا من هذا الطلب حتى فراتنظر لي وقال «أنا وأنتِ فقط»؟ محاولاً إحراجي. المشكلة أني كنت مأخوذة بالنظر إليه من دون أن أعير عارف وهادي أي اهتمام «نعم أنا وأنت». أخرج من جيبه ورقة عليها رقم هاتفه وأعطاني إياها مبتسماً «لكِ ذلك ساعة تشائين».
فرات أستاذ جامعي في الأدب العربي. متزوّج ولم يُرزق بأولاد. تعرّف إليه هادي من خلال المكتبة التي كان يرتادها لشراء الكتب وطباعة النصوص والمقالات التي يشارك بها في بعض الصحف والمجلات المتخصّصة. إنساني جداً، اجتماعي لا يميز بين المثقفين وغيرهم، يبحث دوماً عن المبدعين ليساندهم ويدعمهم، يجعل الآخر يثق به فوراً. لديه روح مرحة تجعله يبدو أصغر سناً فتحسبه صديقاً لك من أول لقاء.
أوّل ما قام به عارف حين ذهبنا إمساكه بذراعي ناظراً لي بامتعاض واستياء «رحيل، هل تعلمين ما قمتِ به اليوم»؟ حدّقت بوجه عارف المرعوب المذعور وأردفت قائلة «هذا الرجل طرق أماكن خفيّة في قلبي وعقلي». جوابي بدا كافياً ليخذل عارف ويسحب يده التي آلمت ذراعي حينها. طوال طريق العودة تعمّد أن يكون صامتاً. للأسف أدركت سبب هذا الصمت الحزين. لقد أحسّ بأنّ صديقته التعيسة تحوّلت فجأة لأنثى مشدوهة بشخص فتح في قلبها كوّة. لأول مرّة هذه الكوّة ليست للتلصّص بل ليدخل منها بعض الهواء النقي فينعش فيها الألق والمشاعر المختبئة المتوارية في دهاليز قلبها. هذا بالنسبة لعارف يعني فقدانه لمن يواسيه بتعاسته؛ ذلك أن هذه المشاعر هي مفتاح للحب، كما اعتقد هو، وكما أنا غدوت متيقنة حينها من تلك الأحاسيس. «حسناً كنت سأخبرك بأمر ولكن أعتقد أن عقلك لن يستوعب هذا الخبر». لم ينظر عارف لوجهي، ولكن سمعت همهمات فارس يشارف على الموت بعد معركة فقد السيطرة عليها. لماذا ينفر الصديق التعيس حين يراقب صديقه يقتحم عالم الفرح مبدلاً كآبته بالغبطة والبسمة والمشاعر المتأجّجة فرحاً؟ الجواب الطبيعي أنّه سيفقد مَن يواسي وجعه ومَن يعيش ألمه.عارف كان سيفقد شيئاً آخر على ما يبدو. في تلك اللحظة لمعت هذه الفكرة برأسي «عارف يغار؟ يحبّني»؟ كحفّار القبور ردمت هذه الفكرة وواريتها الثرى. خوفاً أو انهزاماً لا يهمّ البتة. فهي خاطرة لم ترق لي.
الجزء الثاني عشر
زينب محمود فياض كاتبة من لبنان. ولدت وعاشت في الكويت، ثم انتقلت إلى لبنان لتكمل تعليمها في دراسة الأدب العربي. تنقلت بين التعليم وإعداد وتقديم برامج الصغار التلفزيونية. كانت من المشاركين في تأسيس جمعية (حواس) الثقافية. أصدرت أول رواية لها (المتلصصة) والتي تنشرها (المراقب العراقي). لها كتاب حواري مع الفنان والاعلامي والاستاذ الجامعي عبد الحليم حمود اسمه (المطرقة)، ولها روايتان قيد الطبع.
كتبت زينب فياض هذه الرواية لتستفز العقل الراكد في مستنقع الخيبات. بدأ من عنوانها الذي أثار بعض الجدل والتحفظات حيث أن هذه الصفة قد تبدو للمجتمع سلبية ومحرضة للعقل ليتجه بتساؤلات مستنكرة. كيف لمتلصصة أن تجهر أمام الجميع بهذا الفعل المثير للريبة.



