العقل والفكر والثقافة.. جوانب متصلة بشخصية الإنسان
د. عبدالكريم بكّار
إنّ تطوير أي جانب من الجوانب المتصلة بشخصية الإنسان يعد بالغ الأهمية، لأنّ تكلفته ليست كبيرة، ولأنّ ذلك قد يكون الخيار الوحيد في بعض الأحيان؛ ولأنّ النجاح فيه قد يكون بعيد الأثر إذ يدفع بأمة من القاع إلى القمة!وليس لنا أن ننسى أنّ ذلك من وجه آخر لا يتم إلا ببطء شديد، فهو يحتاج إلى صبر لا يقبل النفاد، وإلى عناية فائقة؛ فإقناع شخص بفكرة جوهرية قد يستغرق سنوات، وتدعيم الناحية الروحية لدى إنسان، أو تغيير عادة قبيحة عنده، يستغرق وقتاً أطول مما نظن؛ لأنّ الانتكاس أمر مألوف في هذه المجالات، لكن لا توجد خيارات ولا بدائل عن النهوض بالإنسان,فالفكر هو الذي يقود التقدم، فلا يمكن لمجتمع أن ينهض ما لم يتقدم الفكر لديه، ويكن في وسعه توفير الأسس المنهجية والإصلاحية لذلك,وإنّ التفكير لا يُساهم في الكشف عن حقائق جديدة فحسب، وإنما يساعدنا على تناول المعلومات المتاحة بطريقة جديدة، تضفي عليها أبعاداً جديدة، لم تكن مألوفة، كما أنها تفسرها على نحو جديد,وبالتفكير وحده يمكن لنا أن ندمج حقائق الماضي ونظمه في الحقائق والنظم المستجدة، ونزيل التنافر بينها,وقد زوَّد الله – جلّ وعلا – بني الإنسان بطاقات ذهنية فطرية قادرة على التحليل والتركيب والتقويم والاستفادة من الخبرات المختلفة,وهذه الإمكانات قد تختلف من شخص إلى آخر اختلافاً عظيماً، لكنها على مستوى الشعوب متقاربة – في الأحوال العادية – إلى حد بعيد,ففي الحضارة الإسلاميّة الزاهية كانت المعرفة تستمد نموها واكتمالها من التجربة. وعندما دخلنا في نفق الجمود والانحطاط، صارت المعرفة تنمو بعيداً عن الواقع، وتستلهم الخيال، وتستند إلى معطيات المماحكات الجدلية واللفظية,وقد طرأ تحول ذو شأن على تعاملنا مع القدرات الفطرية، حيث كان يُنظر إليها على أنها شيء محتوم لا حيلة لنا تجاهه، لكن الأمر قد تغير اليوم؛ إذ إنّ هناك فيوضاً من الدراسة والملاحظات التي تؤكد ارتفاع مستوى الذكاء نتيجة التدريب واستخدام تقنيات الوسائل التعليمية. وقد أظهرت بعض الدراسات أنّ الأطفال الذين نُقلوا من بيئة فقيرة بالمثيرات العقلية إلى بيئة غنية بالنشاط الثقافي، أظهروا ارتفاعاً في نسبة ذكائهم,ويمكن تعريف النظام المعرفي بأنّه: «جملة من المفاهيم والمبادئ والإجراءات التي تعطي للمعرفة في مدة تاريخيةٍ ما بنيتها اللا شعورية، أو هو في ثقافةٍ ما بنيتُها اللاشعورية»,والخبرة هي ما يتزايد باستمرار مما يُسجَّل في الذاكرة… من وقائع وضوابط ودوافع وقواعد وفروض,والوعي هو استخدام الخبرة استجابة للإرادة,والتفكير هو مهارة التشغيل التي تؤثِّر من خلالها الإمكاناتُ الذهنية في الخبرة,وإنّ التفكير هو نوع من الاستقصاء والسبر والخضّ لما لدينا من معلومات ومعارف ومبادئ وملاحظات وانطباعات من أجل الفهم أو اتخاذ قرار أو القيام بعملٍ ما,ويمكن القول بعد هذا وذاك: إنّ بين الأفكار والمعلومات تفاعلاً دؤوباً؛ فالأفكار تتولد بتطبيق التفكير على البيانات، ولدى قيامنا بجمع المعلومات، فإننا نجمع البيانات التي سبق أن نُظمت عن طريق الأفكار القديمة. وللإفادة من تلك الأفكار نجدنا بحاجة إلى التفكير، وليس إلى مزيد من المعلومات,إنّ الوعي حين يصدم بمشكلة يعود إلى (الثقافة)، بعدّها مخزون الخبرة الجماعية، فإن لم يجد جواباً، أو وجد جواباً ناقصاً لجأ إلى الخبرة المباشرة التي تشكل التجربةُ مصدرَها الأساس، فإن لم يجد لجأ إلى تلقين أجوبة سحرية أو خيالية أو خرافية بغية الخلاص من القلق الذي يصاحب كلّ مجهول,وإنّ من جملة مشكلاتنا فقد التوازن بين المعلومات والتفكير، وكثيراً ما ننحاز إلى جانب المعلومات على حساب الاهتمام بالتفكير، لكننا في بعض الأحيان نمارس التفكير دون أدنى قاعدة معلوماتية مقبولة,وإنّ كثرة المعلومات والتفاصيل حول قضية محددة قد تعوق العقل، وتضيّعه، وتجعل استخدامه لنماذجه الخاصة صعباً؛ لأنّ المعلومات كثيراً ما تتوزع على نماذج ومساقات متعارضة ومتقاطعة، مما يُربك العقل الذي سيستخدمها إرباكاً عظيماً!إنّ الخلاصة التي ننتهي إليها، هي أنّ تنمية قدراتنا العقلية، وتنمية طرق التفكير الجيد صارت ممكنة أكثر من أي وقت مضى، وإنّ الذي نحتاجه هو التدريب الجيد إلى جانب عطش للمعرفة لا يعرف الارتواء!.



