المسجد في فكر الإمام الخميني «قدس سره»


عندما هاجر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) من مكة إلى المدينة ليبدأ بصياغة معالم المجتمع الإسلامي كانت أول خطوة قام بها (صلى الله عليه وآله وسلم) أن بنى مسجد المدينة،كخطوة أولى وكحجر أساس لهذا المجتمع،ومنذ تلك اللحظة صار المسجد محور الحركة الإسلامية كلها في المجتمع،وليس كمجرد عرف تعارف عليه المسلمون،بل شرع ومنهج أكدته الروايات وأكده القرآن الكريم بالإضافة إلى سيرة المعصومين (عليهم السلام),وعندما هاجر الإمام الخميني (قدس سره) بالشعب المسلم في إيران من حكم الفراعنة ومجتمع الملوك والسلاطين،إلى حكم اللَّه تعالى ومجتمع التوحيد العملي،عاد ليضع حجر الأساس لهذا المجتمع ويؤكده من جديد ألا وهو المسجد.لذلك كان (قدس سره)يقول:»أحيوا الثورة من خلال المساجد،التي تعدّ حصون الإسلام المنيعة».ويؤكد:»اسعوا في إعادة المساجد إلى ما كانت عليه في صدر الإسلام،ولتنتبهوا إلى أنه ليس في الإسلام عزلة أو اعتزال»,وأن يكون الشيء للَّه سبحانه وتعالى فهذا يعني أن هذا الشيء هو خير محض ومحور هداية وصفاء إلهي في سماء هذه الدنيا الملبَّدة بغيوم الوهم والضياع.والمسجد بيت اللَّه كما تصفه الروايات,ويقول الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم):»من أدمن إلى المسجد أصاب الخصال الثماني: آية محكمة، أو فريضة مستعملة، أو سنة قائمة، أو علم مستطرف، أو أخ مستفاد، أو كلمة تدله على هدى أو ترده عن ردى، وترك الذنب خشية أو حياءاً».فإذا أدمن الإنسان المسجد أصاب كل هذا الخير وكان من المهتدين،وعن ذلك يقول الإمام الخميني (قدس سره):»المحراب هو موضع الحرب، موضع المواجهة والحرب ضد الشيطان والطواغيت»,ففي كملته هذه،يبيّن الإمام الخميني (قدس سره) دوريـن جهاديـين للمسجد،أحدهما جهاد النفس والشيطان،والآخر جهاد طواغيت الدنيا,فجهاد النفس والشيطان من أدق الأمور وأصعبها حتى أعطته الروايات لقب الجهاد الأكبر,وهذا الجهاد الذي سيلقي بظلاله على حركة الإنسان كلها في الدنيا وعلى مصيره في الآخرة، حرب مع الشياطين ومع النفس الأمارة بالسوء ومع زيف الدنيا..ولكل حرب دروعها ومتاريسها وخنادقها،والمسجد هو الدرع والمتراس والخندق لهذه الحرب،وهجرانه يعني الوقوف في العراء أمام سهام العدو وأدواته،وهو بالتالي مقتل الإنسان وهزيمته في هذه المعركة!. فالمسجد هو الضمان الأساس للفوز في هذه المعركة الدقيقة والصعبة,ولكن هل هذا يعني أن نقصر دور المسجد على المستوى الفردي؟!،أم للمسجد أدوار أخرى؟.والجواب أكيد ،أن للمسجد أدواراً أخرى أساس ومهمة وهي:
الدور الإجتماعي
وعن هذا الدور يقول الإمام الخميني (قدس سره):»كان المسجد الحرام والمساجد في زمن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) مركزاً للحروب، ومركزاً للقضايا الاجتماعية والسياسية، فلم يقتصر دور مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على المسائل العبادية كالصلاة والصوم،بل كانت المسائل السياسية أكثر من ذلك وكان يبدأ من المسجد متى ما أراد تعبئة الناس وإرسال الجيوش».
الدور العلمي
وبالنسبة للدور العلمي فقد أكد الإسلام حركة التعلم في المسجد، وقد ورد في الرواية أن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج فإذا في المسجد مجلسان، مجلس يتفقهون ومجلس يدعون اللَّه ويسألونه، فقال(ص):»كلا المجلسين إلى خير، أما هؤلاء فيدعون اللَّه، وأما هؤلاء فيتعلمون ويفقهون الجاهل،هؤلاء أفضل بالتعليم أرسلت لما أرسلت ثم قعد معهم». .
الدور السياسي
يتميز الإسلام بشموليته،فاللَّه تعالى ومن خلال لطفه المطلق أراد تلبية حاجات الإنسان كلها وتأمين متطلباته التشريعية التي تكفل سعادته وحل مشاكله كلها ومن جميع الجهات، فالإسلام لم يأتِ بتكليف الإصلاح دون أن يعطي دواءه الناجع، بل أعطى الدواء ثم كلف الإنسان باستخدامه، فكمُل اللطف وتمّت الحجة,فالسياسة في الإسلام لها اهتمامها الخاص وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صاحب الدولة ورأس الهرم في سياسة المجتمع الإسلامي،والتجمعات السياسية هي دور من الأدوار التي كان يؤديها المسجد على امتداد التاريخ,ويقول الإمام الخميني (قدس سره):»لم يقتصر مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على المسائل العبادية كالصلاة والصوم، بل كانت المسائل السياسية أكثر من ذلك».
الدور الجهادي
المسجد لم يغب عن الحركة الجهادية أيضاً،حيث كان يعدّ مكان انطلاق الجيوش للذود عن الإسلام وإعلاء كلمة:»لا إله إلا اللَّه».يقول الإمام الخميني (قدس سره):»كان المسجد الحرام والمساجد في زمن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) مراكز للحروب»وهكذا فإن المسجد كان على امتداد العصور محور حركة الإنسان المسلم لينطلق من خلاله إلى عبادة اللَّه تعالى والارتشاف من كأس معنويات الصلاة والدعاء..وليتزود ضمن حلقاته علماً نافعاً يعرف به ربه ويتعلم فيه تكليفه، وليعيش في زواياه هم الأمة الإسلامية من شرقها إلى غربها، فيشحذ همته لينطلق من هناك سيفاً من سيوف اللَّه تعالى في أرضه.



