اخر الأخبار

حقيقة ليلة القدر

780

ليلة القدر هي ليلة نزول القرآن الكريم وليلة نزول الملائكة والروح وليلة الخير العظيم..إنّ نزول القرآن الكريم كان على نوعين..الأول: نزول تدريجي بحسب المناسبات، وهو الذي استمرّ طيلة ثلاث وعشرين سنة، وهي مدة بعثة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، ويعبّر عن هذا النزول بالتنزيل، قال تعالى:﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً ﴾.وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.وقد ابتدأ تنزيل القرآن الكريم في السابع والعشرين من شهر رجب، ولذا أطلق عليه يوم المبعث النبوي الشريف..الثاني: نزول دفعي بحيث نزلت حقيقة القرآن الكريم بغضّ النظر عن صياغته التفصيلية على قلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال تعالى:﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ*عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ويعبّر عن هذا النزول بالإنزال، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾..قال الإمام الخميني قدس سره: «هذا القرآن النازل في ليلة القدر هو ذلك القرآن العلمي في السرّ المكنون والغيب في النشأة العلية قد أنزلناه عن تلك المراتب وكان متّحداً في مقامه مع الذات»إنّ ليلة القدر بعدّ نزول القرآن هي ليلة تاريخية عظيمة، من الممدوح أن تحيا مناسبتها، إلا أنّها بالمعنى الآتي هي ليلة سنوية ذات حياة مستمرة، بل هي ناظرة إلى المستقبل الآتي.
من المعلوم أنّ الملائكة هي موجودات مجرَّدة عن المادة، لذا فإنّ تنزّلها الوارد في هذه الآية هو تنزّل غير مادي بل تجرُّدي لتحقيق ما أراده الله تعالى، ألا وهو تقدير الأمور خلال سنة..وقال الإمام الخميني قدس سره: «اعلم أن الروح الأعظم هو خلق أعظم من ملائكة الله، بمعنى أنه واقع في الرتبة الأولى من ملائكة الله وأشرف وأعظم من الكلّ»..ويؤكّد الإمام الخميني قدس سره أن تنزّل ملائكة التقدير بما أنّه ليس مادياً لكونها مجرَّدة، فلا بدّ أن يكون تنزّلها على من يناسب التجرُّد، وبما أنّ نفس الإنسان الكامل يمكن أن تتروَّح، أي تصعد كروح مبتعدة عن المادة، فإنّ تنزّل الملائكة يكون على النفس المتروّحة للإنسان الكامل، وهذا يعني أنّ ليلة القدر هي ليلة الوصال بين الملائكة والوليّ الأعظم..ثم قال: اعلم أن ليلة القدر حيث إنها ليلة مكاشفة رسول الله وأئمة الهدى عليهم السلام، فلهذا تنكشف لهم جميع الأمور الملكية عن غيب الملكوت، وتظهر لهم الملائكة الموكلة بكل أمر من الأمور لحضراتهم في نشأة الغيب وعالم القلب وتنكشف وتعلم لهم جميع الأمور التي قدرت للخلائق في مدة السنة وكتبت في الألواح العالية والسافلة على نحو الكتابة الملكوتية والاستجنان الوجودي، وهذه المكاشفة مكاشفة ملكوتية محيطة بجميع ذات عالم الطبيعة ولا يخفى لولي الأمر شيء من أمور الرعية»وقد أشارت روايات عديدة إلى هذا المعنى:فعن الإمام أبي جعفر عليه السلام: «إنّما يأتي بالأمر من الله في ليالي القدر إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وإلى الأوصياء: إفعل كذا وكذا».
إذاً تقدير الأمور من الله تعالى يبلَّغ به وليّ الأمر المتمثِّل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في عصره والأئمة عليه السلام من بعده، ولعلّه لهذا السبب كان التأكيد في أعمال ليلة القدر على الصلاة على محمد وآل محمد والدعاء للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.وقد ورد في فضل ليلة القدر روايات عديدة نذكر منها: ما رُوي عن النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: «قال موسى: إلهِ، أريد قربك، قال: قربي لمن استيقظ في ليلة القدر، قال: إلهِ، أريد رحمتك، قال: رحمتي لمن رحم المساكين ليلة القدر، قال: إلهِ، أريد الجواز على الصراط، قال: ذلك لمن تصدّق بصدقة في ليلة القدر، قال: إلهِ، أريد النجاة من النار، قال: ذلك لمن استغفر في ليلة القدر، قال: إلهِ، أريد رضاك، قال: رضاي لمن صلى ركعتين في ليلة القدر» وما ورد عن الإمام الباقر عليه السلام: «من أحيا ليلة القدر غفرت له ذنوبه، ولو كانت ذنوبه عدد نجوم السماء، ومثاقيل الجبال، ومكائيل البحار»..ليلة القدر وسرُّ التسمية..بناءاً على ما سبق فُسِّر معنى ليلة القدر بما يأتي: أنّها صاحبة قدر (أي منزلة)، نزل فيها القرآن وهو صاحب قدر، بتوسط ملك صاحب قدر، لأمّة صاحبة قدر..لأجل تقدير الأمور والآجال وأرزاق الناس فيها..لأنّ الأرض تضيق بوساطة كثرة الملائكة من باب قدر عليه رزقه أي ضُيّق..وورد عن الإمام الصادق عليه السلام حينما سئل عن تحديد ليلة القدر بقوله: «أطلبها في تسع عشرة، وإحدى وعشرين، وثلاث وعشرين»..إذاً التردُّد بين الليالي الثلاث هو ليس بسبب التعارض بين الروايات، بل إنَّ المعصوم عليه السلام هو الذي طلب أن تُحيا في ثلاث ليال، وهذا الأمر إمّا لأجل التربية على الاحتياط في طلب الكمال والمقامات في المستحبات، وإمّا أنَّ هناك سراً يتعلّق بالليالي الثلاث، وهو ما ورد فيه حديث عن الإمام الصادق عليه السلام: «التقدير في تسع عشر، والإبرام في ليلة إحدى وعشرين، والإمضاء في ليلة ثلاث وعشرين».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى