الغزو الثقافي وتأثيره في فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر


إن مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد تعرض للكثير من التشويه، من خلال أمرين: الأول هو سوء ممارسة بعض الحكام الذين تسلطوا على مقدرات الحكم في البلاد الإسلامية معطين لحكمهم اللون والصبغة الإسلامية فأسسوا أجهزة تحت مسميات مختلفة لتقوم بممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بصورة فيها الكثير من التشويه مما انعكس على هذه الفريضة مفهوماً وأحكاماً، وما زالت حتى اليوم بعض الدول والجماعات المنتمية إلى الإسلام تسيء بممارساتها غير الواعية إلى الإسلام عموماً وإلى هذه الفريضة خصوصاً.ولذا ترى في العصر الحالي أن مجرد كتابة مقال أو إقامة ندوة أو غير ذلك تحمل اسم الفريضة تعّرض صاحبها لحملات مضادة وهجومات قاسية نتيجة هذا التشويه الحاصل، والأمر الثاني هو حملات الغزو الثقافي المستمرة منذ مدة طويلة والتي تهاجم الدين وكل ما هو ديني على خلفية التاريخ السيىء لممارسات بعض رجال الكنيسة في أوروبا في القرون الوسطى , هذان الأمران تعاضدا ليوجدا صورة قاتمة لفريضة هي من أهم وأقدس الفرائض ولمفهوم هو من أهم المفاهيم، ولدور حيوي لهذا المفهوم، حيث شكل هذان الأمران مادة مهمة لشن حملات الدعاية المعادية للدين الإسلامي ولشرعه الحنيف، ما أدى إلى تأثر كثير من أبناء الأمة بهذه الدعاية فقعدوا عن ممارسة هذه الفريضة.
وواجه المسلمون في أوائل عهد الإسلام وبالتحديد بعد أن آلت الحكومة إلى بني أمية مسألة فكرية تلغي دور الأمة ومسؤوليتها عن عملية الإصلاح والقيام بمقتضياتها. وهذه المسألة هي مسألة الجبر التي روج لها معاوية بن أبي سفيان ليبرر تسلطه على أمة الإسلام وليبرر تصرفاته.وقد تبع معاوية في ذلك من تلاه من خلفاء بني أمية، حيث إن الاعتقاد بالجبر يشكل قيداً يُلغي مسؤولية الناس والحاكم على السواء تجاه الفساد وعن الإصلاح ويقتلع نبتة الحرية من جذورها، وهذه الفكرة تشكل تفريطاً واضحاً بمسألة الحرية والاختيار والمسؤولية.فالذي يسلّم بقضية الجبر سيكون مسلوب الإرادة ومعفياً من المسؤولية، مع أن الإسلام بنصوصه الشريفة من القرآن إلى السنة إلى السيرة العملية للرسول صلى الله عليه وآله وسلم يفيض بما يؤكد مسؤولية الإنسان بداية عن نفسه ومتعلقاتها: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾(الإسراء:36)وهذه المسؤولية للإنسان ترتب اتجاهها دوراً ووظيفة هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلا كانت العاقبة والعقوبة على التقصير فإذن القول بالجبر هو تفريط بالمسؤولية والحرية.وفي عصرنا الحالي ظهر جانب آخر يتعلق بقضية الحرية وهو الجانب الإفراطي، الذي يعطي للإنسان حرية أن يفعل ما يشاء دون حدود أو مقيدات، بحيث يتم اطلاق العنان للفرد بأن يفعل ويقول ويروج ما يشاء ويدعو الآخرين لمشاركته في ذلك تحت عنوان حرية الرأي وحرية التعبير والحرية الشخصية ولو انتهك المقدسات وأشاع المحرمات وخرب النفوس ما لم يتعد على أبدان الآخرين وممتلكاتهم، بحيث أصبح الفرد هو المحور.وقد وصل هذا الأمر إلى حد عدّ من يقوم إزاء هذا العمل بحركة أو كلمة مناهضاً للحرية ومتخلفاً,فعلى المؤمنين ألا يتأثروا بكون كثير من الناس يسيرون في طريق الضلال فيصابوا بالإحباط أو اليأس نظير الحديث المروي عن أمير المؤمنين عليه السلام: «لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله»فان مسؤولية الإنسان المؤمن عن مجتمعه الذي لا يقل شأناً عن مسؤوليته عن نفسه. فالذين ذهبوا إلى هذا الأمر ظنوا أن هناك تعارضاً بين اصلاح النفس واصلاح الغير ولذا اختاروا اصلاح النفس على اصلاح الغير لكن الحقيقة أنه لا تعارض بينهما بل إن هناك تكاملاً بينهما فبقدر ما يسعى الإنسان لإصلاح الآخرين ويقدم نفسه بشكل عملي كنموذج بقدر ما يصلح نفسه ويوجد لها البيئة الصالحة لبنائها ونموها.والذين يرون التعارض هم أناس محرومون من الرؤية الإسلامية الصحيحة للإسلام ودوره وللمؤمن ودوره، ليغدو الإسلام ديناً ذا نظرة ورؤية فردية فيما الحقيقة هي خلاف ذلك فإن للإسلام رؤية اجتماعية وإنسانية دون إهمال الجهة الفردية من حيث البناء والإصلاح. فالإسلام يريد بناء الفرد النموذجي والمجتمع النموذجي والإنسانية النموذجية، وكلها أهداف تتكامل وتتلاقى ولا تتعارض وتتضارب,فأن عملية التمهيد لظهور الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف تمر حتماً بإحياء هذه الفريضة وتحمل المسؤولية عبرها تجاه النفس والمجتمع والإنسانية ولا يتم ذلك بالإنعزال عن المجتمع لغرض بناء النفس، بل على العكس فإن بناء وتربية وإصلاح النفس في داخل المجتمع يكسب النفس مناعة تجاه الفساد ومظاهره، ويكون حافزا على إصلاح نفسه لأنه يجعل الإنسان أمام تحدٍ له علاقة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو تقديم نموذج الإنسان الصالح المؤثر من خلال سلوكه وفعله وليس من خلال قوله فقط.



