السقوط في بئر الخوف
غسان عباس محسن
كلما طالبته زوجته بفعل شيء ما ازاء أوضاعهم التي صارت تتدهور خلال الآونة الاخيرة كانت نوبة الخوف تعود لتضرب كيانه بأجمعه، مثل موجة بحر عاتية فتجعله يلازم فراشه خائفاً مرتعداً كفأر مذعور. وتذكر احمد حسن من جديد ذلك اليوم الذي وقعت فيه حادثة قتل صديقه ياسر حيث كان يشق طريقه باتجاه دكان الملابس الخاص به كما اعتاد ان يفعل ذلك في صباح كل يوم، لكنه ابصر شيئاً ما مرمياً قرب دكانه، فجعل يدقق النظر فيه فعرف بأنها جثة رجل أطلقت عليه عدة عيارات نارية ثم ألقيت في هذا المكان. وحينما استعلم من الحشد الذي اجتمع حولها عرف بأن هذه الجثة كانت لصديقه العزيز ياسر الذي كان يمتلك دكاناً في المنطقة نفسها، وذلك ما جعل احمد يعاني من هذه الأزمة النفسية الحادة التي جعلته يخاف حتى من ابسط الأشياء وأصغرها، ولكن استشعاره المسؤولية تجاه أسرته الصغيرة كان يحتم عليه أن ينهي ما هو فيه من حالة خوف واضطراب وأن يتعافى ويتجه للعمل مرة اخرى، فهو وإن كان يقطن في منطقة راقية الا انه كان أشبه بالمفلس الذي يكاد ان لا يمتلك شيئاً من المال حيث لم يترك له والده خلا هذا المنزل ومعه الدكان الذي كان يبيع فيه الملابس والأزياء بعد ان تقاسم بقية اخوته أملاكا أخرى تركها لهم والدهم، لذا فهو يعرف بأن انقطاعه عن العمل لمدة طويلة سيعني ان ينعكس اثر ذلك بشكل واضح وكبير على أوضاع الاسرة المادية، ولا سيما ان ابنته الكبرى هالة كانت طالبة في الإعدادية، واما الاخرى رنا فقد كانت في المرحلة المتوسطة وكان لديهما الكثير من المصاريف والحاجات. فاستجمع احمد شجاعته في احد الايام ونفض عنه غبار احزانه على صديقه ومضى إلى عمله برغم ان شيئا من الخوف ظل قابعا في كيانه، فقد صار يرى بان المدينة التي كانت ذات يوم من اجمل المدائن على الارض باتت اليوم غابة موحشة يمكن ان يتعرض فيها أي انسان للخطر الكبير وفي أية لحظة من دون وجود ما يضمن له سلامته وأمنه.
ومرت الايام وبدأ احمد حسن رب الاسرة الصغيرة في استعادة توازنه ونشاطه حتى انه صار يسدد بعض الديون التي تراكمت عليه خلال المدة الماضية، ولعله كان يحمد الله في سره على انه لم يكن يمتلك الكثير من المال، فيكون بذلك مطمعاً للطامعين كما هو الحال بالنسبة لصديقه المعدوم ياسر. ولكن ذلك لم يكن الا وهماً في رأسه، ففي احد الايام وما ان عاد من عمله وقد ملأ غبار التعب جسده حتى استقبلته زوجته بوجه مضطرب لتخبره بان ابنته الصغيرة رنا لم تعد الى المنزل على غير عادتها، فاضطرب وكاد يفقد صوابه ثم مضى الى المدرسة التي كانت خالية من الطالبات فلم يعثر عليها كما انه لم يعثر عليها عند اي من صديقاتها، فجزع وأدرك بان مكروهاً ما قد أصابها. وفي المساء جاءه اتصال هاتفي ليقطع شكه باليقين في كونها مخطوفة، ومما زاد في خوفه هو ذلك المبلغ الضخم الذي طلبه الخاطفون في مقابل إطلاق سراحها.شعر احمد بيأس مرير وأحس بانه قد كبر سنين من شدة الحزن، عشر سنين دفعة واحدة، وترك خوفه يهيمن على كيانه فأصبح مثل قطعة خشب صغيرة وسط تيار بحري، ولم يعثر بعد يوم طويل قضاه في السؤال بمناطق قريبة يحتمل ان يكون الخاطفون فيها على شيء، ولما أعياه المشي والسؤال سار ولم يشعر بنفسه الا وهو واقف قرب باب المسجد الذي نادراً ما كان يزوره في الايام الاعتيادية، فدخل وصلّى ثم دعا الله على امل أن يفرج كربته ويحنن قلب الخاطفين على ابنته. ثم لمح شيخ الجامع الذي كان احد جيرانه فعثر على أثر للرحمة التي ظن بانها قد اختفت من قلوب البشر فصبره الشيخ بكلام طيب قائلا له: لا تيأس من رحمة الله ولا تقنط واعلم بان الله مع الصابرين. ولما تلمس الشيخ اثر الجزع في نفس جاره الذي هيمن عليه الخوف وتملكه اليأس خاطبه وهو يشد على يده اسمع: يا احمد؛ الخوف بئر عميق فاحذر من السقوط فيها، سلم أمرك الله وتذكر بان انقاذ ابنتك يستلزم ان تظهر الشجاعة امام الجميع.
بالنسبة لرجل ناقم محطم كأحمد في تلك الأيام لم يكن كلام رجل الدين عن الصبر والثبات ليؤثر فيه، لكن كلامه عن الخوف والشجاعة قد حرك فيه أشياء كثيرة وكانت نقمته وسخطه على العالم قد حولا خوفه الى قوة وعزيمة، فاستجمع شجاعته وبدأ يسأل ويحاول ان يعرف بطرق شتى من اختطفوا ابنته وكانت زوجته قد لاحظت تغير طباعه بمرور الايام فأعربت له عن خوفها وقلقها عليه لكنه طمأنها بانه سيعيد لها ابنتها سالمة، وبعد بحث وتقص استمرا لأيام استطاع احمد ان يعرف اخيراً مكانها، وبعد تلقيه اتصال من الخاطفين اخبروه فيه عن مكان تسليم الفدية قرر ان يذهب الى ذلك المكان الذي يقع في حي عشوائي فغيّر ثيابه وهو يتأهب للذهاب إلى هناك حاملا بيده كيساً يضم الأموال التي طالبوه بجلبها معه وقد عجبت زوجته من كيفية جمعه لذلك المبلغ الضخم من المال، برغم انها كانت تدرك انه لا يمتلك اي شيء باستثناء المنزل والدكان؛ الا انه رد عليها وقال إنه تدبر أمره وجمع المبلغ المطلوب. ثم مضى لغايته وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة ثقة وشجاعة، وفي الموعد المحدد للتسليم وقف احمد حسن قبالة الساحة التي أحاطت بها تلال من النفايات وقد تغيرت ملامحه وصوب نظرة حادة نحو الرجال الذين وقفوا قبالته وطالبوه ان يترك كيس المال ويرحل. ابى احمد ان ينفذ لهم غايتهم وأمسك بسلاح كان قد اشتراه منذ مدة وهو الذي لم يمسك سلاحا طوال حياته ثم طالبهم ان يتركوا ابنته، ولما أحسوا بتمسكه بقراره أطلقوا سراحها، وما ان أبصرته حتى ركضت نحوه وبعد ان وصلت اليه رمى كيس المال على الارض ومضى بعيدا عن ذلك المكان باتجاه الشارع، وما هي الا لحظات حتى كانت رصاصاتهم تلاحقه بعد ان اكتشفوا بان ذلك المال لم يكن الا ورقاً ابيض!
وبرغم اقترابه من الشارع الا انه استشعر الخطر، فغطى جسد ابنته الصغير بجسده بعد ان فتحوا النار عليهما فأصابته اكثر من رصاصة وسقط مضرجاً بدمائه، ثم استدار ناحيتهم ليشاغلهم بضع دقائق وعاد بعدها لينظر إلى ابنته التي وصلت في نهاية الامر الى الشارع، فابتسم وهو يدرك بانه قد خرج اخيراً وبشكل نهائي من بئر مخاوفه، كما انه صار واثقاً من انه لن يعود اليه أبدا. ومع انه قد خسر فرصة النجاة كونه لم يستمع الى القسم الاخر من كلام شيخ الجامع، وان يظفر بسلامته كما ظفر بسلامة ابنته الا انه قراره النهائي كان هو ان يواجه مخاوفه وان يتغلب عليها حتى وان كلفه ذلك ما تبقى من حياته.



