ثقافية

لا أقبل أبدا بما يخدش الحياء الأديبة السورية رنا صالح: أحاول زرع اﻷمل في النفوس وتجديد اليقين بالنصر والفرج

4780

عزيز البزوني/ البصرة

رنا صالح الصدقة، أديبة سورية من مواليد مدينة النبك الجبلية بريف دمشق عام 1976م. درست في جامعة دمشق بالمعهد المتوسط الهندسي قسم إنشاء مبانٍ.  نشأت في أسرة محبة للأدب وفيها من الأدباء من ذاع صيته كالشاعر ظافر صالح الصدقة والشاعر خالد جميل الصدقة الذي استبشر بشاعريتها منذ صغرها. بدأت الكتابة بسن مبكرة وقد تنوعت كتاباتها بأشكال وأغراض في ذلك الوقت، فكتبت الخاطرة والنثر اﻷدبي والمقالات النقدية الساخرة والقصة القصيرة وبعض المحاولات الشعرية الخجولة. لقبها شاعر العراق عدنان الجميلي بورقاء الشام والناقد السوري أسامة حيدر بشاعرة الياسمين، وقد أطلقت عليها ألقاب كثيرة كشاعرة القلمون وشاعرة البنفسج. تنوعت أغراض قصائدها وموضوعاتها، فمنها الغزلي ومنها الوطني ومنها الوجداني، واتسمت بسهولة ألفاظها ورقتها, تحاول من خلال كلماتها أن تضيء شمعة في وسط الظلام، وتحلم بزمن خال من الظلم والعشوائية تقول فيه الإنسانية كلمتها العليا, إلتقيناها فكان هذا الحوار معها:
* كيف تنظرين للتحولات الحاصلة في الساحة الشعرية وانعكاساتها على وعي المرأة العربية؟
ـ اﻷدب كان وما زال يؤثر في وعي المجتمعات وحراك الشعوب ككل وليس على المرأة منفردة، والمرأة بطبيعة الحال هي جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي. وبنظري يقاس نضج الشعوب ووعيها بشدة وعي المرأة الفكرية وحريتها المنضبطة، وهذه الحركة اﻷدبية والفكرية للمرأة العربية تبشر بخير قادم لولا بعض الإنفلات الحاصل، وعاجلا أم آجلا لا يصح إلا الصحيح.
* متى تجسدت لديك ملامح شخصيتك والذات الإبداعية؟
ـ باعتقادي أن ملامح الشخصية للفرد منا في تجدد وتطور دائم بحسب البيئة التي يعيشها وبحسب ما يعتريه ويعتري محيطه من أحداث. ولكن هناك بعض الثوابت والدلالات والإشارات التي تميز شخصاً عن آخر، ومنها حالات الابداع والتي تظهر غالبا منذ الصغر، كما هو الحال معي ومع بعض أفراد أسرتي التي نشأت فيها. وبالطبع أي موهبة بحاجة لصقلها وتنميتها وهذا ما حاولت فعله وما زلت.
* كيف تنظرين لسعة الانتشار التي خلقها أثير الفضاء الأزرق (فيس بوك) ومواقع التواصل الاجتماعي؟
ـ الفضاء اﻷزرق بالتأكيد أثّر بشكل ايجابي في الحركة الثقافية والابداعية من حيث سرعة الانتشار المحلي والعربي للمبدع ونصوصه، ولكني أعتقد أن الكاتب من خلال ذكائه ومعالجة قصائده للمشاكل المحيطة بمجتمعه وبعمق نصه وشفافيته، من خلال كل ذلك سيرسم المقياس للانتشار الحقيقي، ولا سيما أن الفضاء الأزرق زاد من حدة المنافسة نتيجة سهولة النشر وسرعة وصوله للمتلقي.
* أين تضعين تجربتك في المشهد الأدبي السوري؟
ـ المرأة بطبيعتها مملوءة بالمشاعر ورهافة الحس وهي أكثر تأثرا بما يجري حولها من غيرها، فهي اﻷم والزوجة واﻷخت والابنة، وهي إنسان أولاً وأخيراً، فكيف إن كانت شاعرة؟ فستكون بالتأكيد المرآة العاكسة لما يجري حولها، ولهذا تأثرت قصائدي بشكل واضح بما يجري بأمي الجريحة «سورية»، فكتبت عن شوق اﻷم ﻷبنائها وكتبت بكائيات على اﻷطلال وقصائد وجدانية ظهر فيها حزني جلياً:
أنا الذبيح على أعتاب مملكتي
أنازع القهر في أوتار حنجرتي
حرفي الكسيح وليد الحرب في وطني
يغتال جهرا على شطآن محبرتي
وفي أحيان أخرى كنت أستجمع قوتي من ضعفي:
تفيض جراحنا منا إلينا
فتضحك روحنا من فيض جرح
وحاولت في الكثير من أبياتي زرع اﻷمل في النفوس وتجديد اليقين بالنصر والفرج كما في قصيدتي (دعوة للحياة ـ آلام وآمال).
* قصائدك كما يبدو لها طابع غزلي قد يصل إلى الجرأة القصوى في بعض منها، وأخرى وطنية تقدس الوطن، فهل من رسالة في هذا الأمر؟
ـ الحب باعتقادي هو أسمى ما في الوجود، ولهذا تراني قد تناولت في الكثير من قصائدي الوطن بطريقة غزلية فهو الحبيب وهو الولد وهو اﻷم كما في نصوصي (محراب العاشقين)، (حكاية عشق لا تنتهي)، (مولاتي). وتحدثت عن خلجات نفسي ما بين الحب والحرب في عدة قصائد مثل (في زمن الحرب) و(ما بين الحب والحرب). والكتابات اﻷدبية بمجملها تعبير عما يختلج اﻷديب من مشاعر وهي بالنهاية عزف أناملنا على الورق «لنوتات» أفكارنا ومشاعرنا. وأنا بالفعل جريئة بطرح الموضوعات ولكن بحدود،فلا أقبل أبدا بنصوصي ما يخدش الحياء. إن الجرأة وقوة الشخصية بالتعبير عما يجول بخاطرك شيء والجرأة الهادمة للأخلاق شيء آخر. وجميع موضوعاتي طرحت بطريقة سامية. فقد تناولت الغيرة الناتجة عن الوله الشديد وتناولت الحب بأسمى معانيه وظهرت بمعظم قصائدي الغزلية حالة من التصوف كما في قصيدتي (عشق معتق):
هتفَ الفؤادُ بحبِّ قلبٍ مُدنفِ
أنتَ الحبيبُ عرفْتَ أم لم تعرفِ
أدمنْتُ حبَّكَ حين أدماني الكرى
لا لم أتُبْ أنصفْتَ أم لم تُنصفِ
نبضاتُ حرفي بالقصيدِ عزفْتُها
لحنا لغيركَ في الهوى لم يعزفِ
عشقي المعتَّقُ في الحروفِ صَبَبْتُهُ
ماءً فراتا مَشْرب الخلِّ الوفي
فالروضُ روضُكَ عطرُهُ ورحيقُهُ
والنبعُ نبعُكَ من زلالٍ فاغرفِ
إنّي اصطفيتكَ للفؤادِ مُؤانِسا
قلبي المتيَّمُ قد وعى من يصطفيِ
عشتارُ بابِلَ هل خَبِرْتِ بِغيرنا
في حبِّه يهوى العذابَ ويحتفي؟!
أما قصيدتي عتاب البنفسج فقد خاطبت المشاعر الجامحة وجعلتها ضمن إطارها الصحيح السليم بطريقة عذبة وسلسلة تألفها النفوس:
ألق الشباك وأوثق اﻷغلالا
واربأ بصيدك أن جمعت غلالا
إن أقبلت صبحا بثغر ضاحك
فلتقطف اﻷعناب منه سلالا
حتَّى إذا احمرَّت فواكهُ خدِّها
عصرتْ نبيذاً يَستفِزُّ خيالا
ماءُ الطهارةِ يَسْتحِمُّ بمائِها
فاجعلْ عِناقكَ في العراءِ حلالا
واتجهت في قصيدتي (شهرزاد الحكاية) إلى حلبة المسرح لدى اﻷزواج العاشقين وطرحت ما يعتريها من مشاعر جذب وشد أو نفور وتعاكس، فأظهرت من خلال هذا مكامن النفوس لواقع تعايشه بحياتنا اليومية بأسلوب سهل مع الحفاظ على معنى الحب النزيه:
أعتبتَ أنّي للهوى لم أسرعِ
وعجبتَ عند تململي وتمنُّعي؟!
وتساؤلٍ حول الغرامِ يُعيدني
طفلاً، فهلْ لي بالجوابِ المقنعِ؟
هل شهريارُ ينامُ طوعاً طائعاً
والحبُّ صاحٍ وجدهُ في المخدعِ؟!
أم شهرزادُ تشابهتْ كلماتها؟
في الحبِّ ألفُ حكايةٍ من مُبدِعِ؟!
أوَ ما رأيتَ بمُقلتيَّ صبابةً
ـ تَسبي الفؤادَ ـ غنيمةَ المتلوِّعِ؟!
أ وليسَ من شيمِ الكرامِ لظامئٍ
إكرامُ ضيفٍ محرِمٍ متمتِّعِ؟!
فَابْسُطْ ربيعكَ بالصَّبابةِ والصَّبا
فإليكَ منكَ تَبرْعُمي وتضَوُّعي
ما زال في قلبي نداؤكَ عازفاً
يجتاحُني بنسيمهِ المُترجِّعِ
* القولِ إنّ قصيدة النّثر حقّقت حضورا لافتًا في السّاحة الأدبيّة، لكن يبقى السؤال المطروح: هل نجح «شعراء قصيدة النّثر» في احتلالِ مكانة يساهمون من خلالها في إثراء السّاحة؟
ـ لا نستطيع ان ننكر بأن النثر هو فن من فنون اﻷدب، وقد حقق رواجا في الساحة اﻷدبية بين جمهور وطبقة معينة. وهناك من النصوص النثرية ما هو رائع حقا ويجبرك على ابداء الدهشة ولكني أكثر ما أراه لا يستحق الاهتمام. ويبقى هذا الرأي خاصاً بي. ودائما جمال ضوء الشمس ودفؤها لا يحجبهما غربال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى