فلسفة الأخلاق


تُعدّ الأخلاق من العلوم العمليّة، حيث إنّ الإطلاع عليها وتعلّمها يعدّ مقدّمة للعمل. ورغم أنّ الإنسان، وبسبب اختياره التكوينيّ، قد لا يعمل بما يعلم، إلّا أنّ هذا العلم ينفع في الحقيقة أولئك الساعين إلى الحياة السعيدة. ولقد سعى علماء الأخلاق وبشكل دائم إلى هداية الباحثين عن السعادة والكمال، وبالتالي وضعوا لهم هذا العلم لنيل مبتغاهم. وكذلك فقد عدّ القادة الدينيّون – الّذين سعوا إلى تحقيق أهمّ أهداف الرسالات الدينيّة السماويّة أيّ هداية الإنسان إلى السعادة الحقيقيّة – من أعظم دعاة الأخلاق. لقد واجهت هذه الهداية الكثير من العوائق والموانع كالتشكيك والنسبيّة اللّتين أثّرتا في مختلف مجالات الفكر البشريّ. وبطبيعة الحال لم تسلم منهما دائرة القيم الأخلاقيّة. إلّا أنّه وفي القرون الأخيرة ظهر العديد من الاتجاهات الفكريّة، وبالتالي ظهرت في دائرة الأخلاق قيمٌ جديدة كالنزعة الإنسانية والليبرالية والتساهل والتسامح والإباحيّة. ومن جهة ثانية فإنّ التطور التكنولوجي جذب عامة الناس إلى اللذة وتأمين الرفاهية المادية والربح الدنيويّ، ودفع القوى العظمى إلى بسط نفوذها العالمي، وبالتالي فقد عدّت هذه الاتجاهات من القضايا الإنسانية المعاصرة، ومن ثمّ ومن جهة أخرى فإنّ البلبلة والفراغ المعنويّ الناتج عن البعد الدنيويّ دفع بالعديد من الفرق إلى المذاهب الوضعيّة البشريّة لتحصيل الإطمئنان، وسدّ الفراغ. ولذا فقد سعت هذه الفرق والنحل إلى البحث عن القضايا الأخلاقيّة والدعوة إليها في خطوة نوعية للابتعاد عن الأمور الدنيويّة. وحيث إنّ الطبيعة البشريّة تميل نوعاً ما إلى كلّ تلك القضايا، فقد وجدت المذاهب الأخلاقيّة أتباعاً لها ومريدين وجذبت إليها العديد من طوائف الإنسانية. وعليه فقد اقترحت هذه المذاهب العديد من الطرق لتحصيل الحياة المطلوبة لأتباعها. إلّا أنّ تأمين هذه الميول سيكون معقولاً إذا لم يقابل الفهم الصريح والواضح للعقل، ولذا فإنّ الساعين إلى الطرق المعقولة للحياة سيدركون بكل بساطة أنّ إرضاء هذه الميول بشكل غير معقول لن يكون أخلاقيّاً. ومن ثمّ فقد ترافقت هذه الميول، وفي الكثير من الموارد، مع الوساوس الذهنية، والتي أخذت أحياناً طابعاً فلسفياً. وفي هذه الحال فقد تعرضت مباني علم الأخلاق لنوع من الاضطراب والاختلال .وها هنا يسيطر على العقل غبار الأوهام ويضلّ أولئك الساعون في الاهتداء إلى طريق السعادة المنشودة. وبناءاً عليه إذا خف نور العقل وامتلأ الفضاء بالغبار والضباب كيف لنا أنّ نهتدي إلى الحقيقة؟ إن هدف «الفلسفة» وبشكل عام هو جلاء غبار السفسطة والأوهام عن العقل. وأما هدف «فلسفة الأخلاق» بشكل خاص فهو جلاء الغبار الّذي يغطّي طريق العلم في مسير هذه الحياة. ولذا يُنتظَر من فلسفة الأخلاق، مضافاً إلى تأمين الطرق السليمة من أجل الحياة المنشودة، أنّ تؤمّن ملاكات اختيار هذه الطرق وأن تضيأها بنور العقل. وبلا شكٍّ فإنّ وجود المباني المحكمة والاستدلالية في الأخلاق تعدّ خطوة أساسية للانتخاب الصحيح والمعقول من بين المذاهب الأخلاقيّة. إن وجود هذه المباني الصحيحة والمعقولة والمتقنة هي الّتي تمكّن الإنسان من الثبات أمام العواصف والأخطار الموجودة، أو الّتي يمكن حصولها، والتي ستهدّد القيم الأخلاقيّة، وبالتالي ستدعوه إلى السير في الصراط المستقيم بكل عزمٍ واطمئنان.



