اراء

شمول جميع العراقيين بالحقوق التقاعدية

4558

د. باسل عباس خضير
كشفت اللجنة المالية النيابية عن قيام رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي بسحب مشروع قانون التقاعد العام وتحويله لمجلس شورى الدولة بهدف شمول العاملين في القطاع الخاص ، فيما لفتت إلى تغيير أسم الملف المذكور إلى قانون التأمينات الاجتماعية ، وقال عضو اللجنة حسام العقابي في تصريح لوكالة (المعلومة) إن “رئاسة الوزراء قامت بسحب قانون التقاعد الموحد وتحويله لمجلس شورى الدولة بهدف تبديل أسمهِ إلى قانون التأمينات الاجتماعية وشمول جميع العاملين بالقطاع الخاص لغرض احتسابهم متقاعدين ضمن الملاك الوظيفي للبلد ، وأضاف أن آلية شمول العاملين في القطاع الخاص تتم من خلال تنسيقهم مع دائرة الضمان الاجتماعي لدفع التوقيفات المالية لهم بهدف احتسابها خدمة وظيفية لهم تمهيدا لشمولهم في القانون المذكور ، ومن الجدير بالذكر إن اللجان المختصة بمجلس النواب قد باشرت بدراسة ومناقشة التعديلات على قانون التقاعد الموحد لمعالجة بعض الثغرات وتقليل التباين في الرواتب التقاعدية وإعطاء المرونة لصندوق التقاعد في الانتقال إلى التمويل الذاتي لتخفيف الأعباء على الموازنات الاتحادية فيما يتعلق بدفع استحقاق الموظفين من المكافآت والرواتب التقاعدية . ومن التوقع أن تتضمن التعديلات الجديدة لقانون التأمينات الاجتماعية ضمان الحقوق التقاعدية للعاملين (المكافآت أو الرواتب وحسب الاستحقاق) في القطاعات الاقتصادية المختلفة لتأمين دخول معقولة لهم أو لخلفهم بعد الإحالة على التقاعد ، وهي المرة الأولى في العراق التي تدخل فيه مثل هذه التغييرات لغرض إضفاء بعض الامتيازات على الوظائف والأعمال غير الحكومية لغرض تقليل الزخم على الوظيفة العامة وولوج القطاعات غير الحكومية للعمل بها بشكل مستمر وليس انتظار فرصة للتعيين لغرض الانتقال للوظيفة العامة ، وتتركز فكرة التأمينات الاجتماعية على وجود صندوق يتأسس لهذا الغرض أشبه بصندوق التقاعد ، وتتكون إيرادات الصندوق من اشتراكات الأعضاء والإيرادات التي يحققها الصندوق من الاستثمارات والجوانب التشغيلية ، فضلا عن مساهمات الحكومة الاتحادية والجهات الراعية والداعمة والهبات والتبرعات ، وهو صندوق يدار من مجلس تديره مجموعة من المتخصصين في القضايا الاقتصادية والمالية والاجتماعية والقانونية ، وتراعى الإدارة الكفوءة للصندوق وليس التوافق في مجال الاستثمار والتشغيل وتلبية استحقاقات المشتركين فيه من الحقوق التقاعدية ، كما يراعى التزام الصندوق بالمعايير الخاصة في مجال الشفافية والابتعاد عن غسيل الأموال والمخاطرات وكل ما يتعارض مع التشريعات النافذة . ويحق لجميع الإفراد العاملين في القطاع الحكومي والمختلط والخاص الاشتراك في الصندوق ما دامت أعمالهم تدخل ضمن المشروعية والقبول والاستمرار النسبي ، ويتوجب على المشتركين دفع حصصهم للمساهمة في الصندوق على وفق الجداول التي يحددها القانون أو التعليمات الصادرة بموجبه ، وتكون شروط الإحالة إلى التقاعد واستحقاق الحقوق التقاعدية واحدة لكل المشتركين من حيث مقدار الحصص وعدد سنوات الخدمة وعمر المحال واستحقاق الراتب التقاعدي وتحديد الخلف وغيرها من التفاصيل ، وبشكل مختصر جدا فان قانون التأمينات الاجتماعية هو شبيه بقانون التقاعد المطبق حاليا على الموظفين ووجه الفرق بينهما انه يطبق على جميع العاملين سواء كانوا موظفين حكوميين أو غير ذلك ، بشكل يسهم في توفير ضمانات مادية وغير مادية للأفراد العاملين عند تعرضهم للإصابات والعجز أو الوفاة أو بعد بلوغهم سنا معينة يكونون فيه اقل قدرة بدنيا أو جسديا أو نفسيا في ممارسة الأعمال ، بمعنى إن هذا القانون يضمن الحقوق التقاعدية للعاملين أثناء حياتهم ولخلفهم المستحقين قانونا بعد وفاتهم وبما يوفر الأمن والأمان المجتمعي ، ويراعى في تأمين حقوق الخلف الابتعاد عن التوريث أي إن الخلف يتقاضون لغاية حدود يحددها القانون . ومن الفوائد التي يمكن أن يجنيها هذا القانون هو تقليل الإقبال على الوظائف الحكومية ومعالجة البطالة والاستثمار الصحيح للموارد البشرية ورفع المكانة الاجتماعية وتوفير الاستقرار النفسي الأمان المالي والاجتماعي للعاملين في القطاعات غير الحكومية ، ولو صدر القانون بنصوص مناسبة وتم تطبيقه بالشكل الصحيح فان توجهات الأفراد للعمل خارج القطاع الحكومي قد تكون أكثر من التوجه للقطاع الحكومي ، والسبب إن ما يجنيه الفرد في القطاع الحكومي يكون محددا بقوانين وسلم الرواتب وبما لا تسمح له بالثراء باعتباره موظفا لخدمة العامة ، في حين إن من يعمل خارج القطاع الحكومي يمكنه أن يحقق مدخولات أكبر من خلال المجال الذي يعمل فيه والاستثمار الذي يستخدمه وعدد ساعات العمل وحرية الانتقال من مهنة أو حرفة إلى أخرى تبعا للمردودات ، والعقدة التي كانت تعيق العمل في القطاع غير الحكومي وتجذب الأفراد بالعمل الحكومي هي المستقبل الذي يعبر عنه بالراتب التقاعدي لان الكثير يخشون عدم وجود ما يعيل أبنائهم عند الكبر أو المرض أو الوفاة ، ويعني ذلك إن توفر تأمينات اجتماعية شبيهة بتلك المتاحة لموظفي الدولة سيشجع الكثير بالعمل في أي قطاع حتى وان كان غير حكومي مادام مؤمنا ويغطى بالحقوق التقاعدية بقاعدة أوسع وأكثر مرونة من قانون الضمان الاجتماعي المطبق حاليا على العمال . ويمكن إن تطرح أسئلة عديد إزاء الموضوع وهي هل إن سائق التاكسي والباعة المتجولين وأصحاب الحرف والمشاريع الصغيرة والمزارعين يمكن شمولهم بقانون التأمينات الاجتماعية ؟ ، والجواب هو نعم ما دامت الأعمال تدخل في إطار المشروعية والقبول ومادام العامل أو الفرد يدفع التوقيفات التقاعدية المحددة بشكل منتظم وحسب النسب الواردة في جداول الاستقطاعات ، وقد يعتقد البعض إن هذه التجربة ستفشل لان ثقافة التسديد غير سائدة في بلدنا فهناك من لم يسدد أجور الكهرباء والماء وما ترتبت عليه من التزامات منذ سنين ، فكيف سيتم التسديد وقد تكون العائلة تعول على إن الأب أو الابن مشمول بالتأمينات ثم يظهر انه (ناكل) وغيرها من الاحتمالات ، والحقيقة إن هذه المسائل يمكن معالجتها بوسائل متعددة منها الربط مع الشبكات المالية كالمصارف و(الكي كارد) أو ما يمكن توثيقه في القانون لغرض التعويل عليه في التسديد ، وهي أمور مهمة بالفعل وتحتاج إلى عناية في التشريع وإصدار التعليمات وآليات التنفيذ ، وقد تكون هناك أسئلة وتساؤلات أخرى يضيق المجال لذكرها هنا ولكنها قابلة للمعالجة مادامت ضمن الاحتمالات ، ولأهمية هذا الموضوع وما يطرح بشأنه فإننا نقترح على مجلس الوزراء أن يحال مشروع القانون على مجموعة خبراء فعليين أو أحد المكاتب الاستشارية المرتبطة بالجامعات لفحصه ووضع آليات للتنفيذ قبل إحالته إلى مجلس النواب للتشريع ، فهذا القانون من شأنه أن يكون نقطة انطلاق حقيقية نحو إصلاح اقتصادي شامل تتحرر فيه الموازنات الاتحادية من التزام كبير ويكون فيه المواطن مستفيدا حقيقيا من خلال الجهد المبذول ووفائه بتسديد ما عليه ، بما في ذلك تأمين حقوق تقاعدية لكل العراقيين ممن يعملون في قطاعات الاقتصاد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى