ثقافية

هيام الأحمد: الشاعرة تستمر بنزف أوجاعها شعراً لعلها تدغدغ الضمائر الحية فتوقظها من سباتها

4152

حاورها: عزيز البزوني

الشاعرة هيام عبد الكريم الأحمد من مدينة حمص السورية تحمل إجازة في الحقوق وإجازة كلية تربية, معلمة صف تعمل موجهة إدارية , بدأت كتابة القصة القصيرة والمقالة والخاطرة ثم انتقلت لكتابة الشعر العمودي لها ديوان مطبوع ( ذئب العيون), التقينا بها فكان هذا الحوار معها:
* للمرأة المبدعة حصّة الأسد في فاتورة الحروب، حيث تنشط مليشيات الثقافة التي تعوّم من تشاء وتغمر من تشاء حسب الولاء السياسي والاجتماعي.
ـ صدقت أخي الكريم، فالحروب تشوّه كل المعالم بما فيها الثقافية، وهنا ترفع المرأة الشاعرة وهي المملوءة حسّاً مرهفاً وعاطفةً جيّاشة صوتَها الشعري معبّرة عن هموم مجتمعها وما يعتريه من ويلات الحرب والدمار وما يلحقُ بأفراده من ظلم ويتم وفقر وقهر:
على وطني بكيت كأنّ دمعي
إذا ما فاضَ غيماتٌ سحاحُ
ولكن قد لا يصل صوتها، فالكل مشغول بوقف النزف وهدهدة الألم ومواجهة الصعاب، فالحرب تشغل الجميع بمشكلاتها ومخلفاتها وكأن لسان الحال يقول: أوقفوا الحرب! نريد حلاً، نريد أمناً.
ربّاهُ قدْ حلَّ البلاءُ بِشامِنا
فَامْنُن بِنصرٍ فيهِ كشفُ بلاءِ
لا وقت للشعر فالفكر مشغول والعقل مكبول والقلب متبول والجفن مبلول، ولكن الشاعرة تستمر بنزف أوجاعها شعراً لعلها تدغدغ الضمائر الحية فتوقظها من سباتها
يا شعرُ لو أدركتَ بعضَ خسائري
أمضيتَ عمركَ تستدرُّ سماحي
ناهيك عن دور الحروب في إعاقة الشاعرة وشل حركتها في السفر والانطلاق لنشر نتاجها وتوسيع دائرة المتلقين في الساحة العربية على أرض الواقع. وبرغم كل المصاعب يظلّ الأمل:
لو سدَّ طيفُ اليأسِ كلَّ منافذي
منْ فُرجةِ الآمالِ ألفاً أفتحُ
في الشعر والأدب لا يصح إلا الصحيح، فالشعر الجميل يفرض وجوده وديمومته ويقول كلمته، شاء من شاء وأبى من أبى.
* ربما أخفقت المرأة السورية كثيراً بسبب الرقيب الاجتماعي والديني.
ـ لا لم تخفق المرأة السورية والأمثلة كثيرة عن أديبات وشاعرات رائعات ظهرن وتألقن، الرقابة الاجتماعية والدينية لا تقتل الإبداع بل تجعله موجّهاً وتأخذ بيده إلى سبيل السلامة. فالأدب إن لم يراعٍ الضوابط الاجتماعية والدينية غدا مبتذلاً وفقد الهدف منه فكيف نسميّه أدباً، إن لم يكن صاحبه ملتزماً بضوابط الدين والمجتمع. فالشاعرة كثيراً ما تلجأ للتلميح والرمزية خوفاً من منشار الرقابة والنقد:
لقد أغمضتُ عينَ البوح لكنْ
تركتُ القلبَ يشرحُ ما تقولُ
* يقال بان اي عمل ابداعي وتحت أي مسمى يتطور من حيث الموضوع واللغة بتطور المجتمع ومفرداته.
ـ بالتأكيد، فالتطور أمر جدلي مستمر ودائم دوام الحياة والمبدع ابن مجتمعه يتطور بتطوره ليواكب مسيرته، ويلقى القبول في نفوس المتلقين، فليس من المنطق الآن أن يتحّدث الشاعر عن الناقة والصحراء واللقاء عند مورد الماء. لا بد من إضفاء روح العصر على العمل سواء أكان شعراً أم نثراً أو أي عمل إبداعي، فلو ظل الشاعر معتمداً على موروث أجداده لما سمي مبدعاً وظل يدور في حلقة مفرغة حتى يصيبه الإعياء ويعتري من حوله الملل والسأم.
من قصيدة (غيرة) أختارُ مثالاً:
وكَلِفْتَ بالجوّالِ هِمتَ بِعِشقِهِ
ونسيتَ شوقي، بلْ جهِلتَ تلهّفي
حصّنْتَهُ بِرموزِ قفلٍ جمّةٍ
عنْ سِرّكَ المكنونِ هيّا فاكشِفِ
أَعبيرُ أنثى في ثيابكَ فاضحٌ؟
وبِشَعْرِها حفلتْ ثنايا المعطفِ؟
* لنتكلم عن ديوانك الشعري، كيف جاءت فكرة التأليف؟ وهل للعنوان الشعري اهمية لديك: وكيف يتم اختيار العنوان: وما الفكرة التي يحملها؟
ـ الحقيقة هو مولود طال انتظاره، جاء في ظروف صعبة، فلم ينل حظه من الاهتمام أو الإشهار، فيه نتاج لموضوعات شتى نظمت على بحور متعددة خلال قرابة العقدين. طبعاً للعنوان الشعري أهمية ويفضل أن يكون غريباً، مُلْفِتاً، (ذئب العيون) قصيدة غزلية في الديوان، أصور الشوق لرؤية المحبوب بالجوع ويكلن العين فيها ذئب جائع لمرآه يأكله بالنظرات أكلاً.
* هناك مفهوم لدى بعض المبدعين وهو: أن المبدع يبدأ بالتدرب على كتابة الرواية عن طريق القصة وقد هجر الكثير من القصاصين عالم القصة بعد أقل من مجموعتين قصصيتين.
ـ كلام لا يخلو من الصحة، تلتقي القصة مع الرواية من حيث العناصر (الفكرة، الحادثة، الشخصيات، البيئة، الهدف، الأسلوب). ولكن الرواية أطول وأشمل حيث تشمل صوراً للحياة بكاملها وتستغرق جلسات طوالاً فيها تعكس قيم العصر ومعتقداته وطوره الحضاري عبر الشخصيات بسيطة كانت أم مركبة أما القصة فتكتفي بجانب من الحياة ناحية ما، ويسلّط عليها خياله ويركّز جهده ويصوّرها بإيجاز فتنتهي في جلسة واحدة، فالكاتب حين يتقن القصة ينتهي به الطموح إلى تجريب حظه في الرواية التي هي أكثر نضجاً وإبرازاً لجوانب الإبداع لديه.
* يقال بان الكاتب الجيد هو من يبدأ عتبة عالمه الإبداعي باختيار موفق، فلا يجب أن يكون صادماً أو بعيداً عن طبيعة العمل حتى لا يطرق القارئ باباً بطريق الخطأ.
ـ نعم، صدق من قال، فالعملُ الأول يعطي انطباعاً مهمّاً عن الكاتب، ويُعزّز ثقتَه بِنفسِه، ويُحفّزُهُ على الاستمرارِ في تطوير ذاتِه حفاظاً على النجاح وكسبِ قلوبِ المتلقّين، وبِقدرِ ما يكونُ العملُ موفّقاً شكلاً ومضموناً وعنواناً بِقدرِ ما يسهّل سبلَ النجاحِ ويوفّرُ على الكاتب الوقتَ والجهدَ لبلوغ الهدف المنشود.
* كلمة أخيرة قبل إسدال الستار.
ـ أنا ابنُ الشامِ يا دنيا فقومي
وزُفّي للدجى أضواءَ روحي
وقولي للمراكبِ ذاتَ فجرٍ
إلى عينيكَ يا وطني نزوحي
أسأل الله أن تنكشف هذه الغمّة، وأن تنحلّ هذه الأزمة، وتعود سوريتي كما كانت هامة الوطن، وأن يعمّ السلام العالم. وفي نهاية هذا اللقاء أتوجّه لكم بعاطر الشكر والتحية على جهودكم الطيبة، وإتاحة الفرصة لي في التحدّث إلى جمهور الكلمة الرائع، وأخصُّ بالشكر الوارف الصحفي المتألق عزيز البزوني، فتقبّلوا منّي أجملَ التحيّات وأطيبَ الأمنيات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى