المراقب العراقي تنشر رواية «الشيطان يحكم العاصمة» للكاتب المصري فرحات جنيدي


فرحات جنيدي كاتب وقاص مصري، مدير مركز الحوار لبحوث الرأي العام والدعاية والاعلان، عضو اللجنة المركزية للحزب الناصري، كتب المقالات في عدد من الصحف والمواقع العربية، صدر له كتابان (الأحزاب والمال السياسي .. مقالات في الشأن المصري)، و(رائحة الدم الطيبة.. مقالات في الشأن العربي)، اضافة الى أن كتاباته شملت: المسرح (دموع ضاحكة)” 2003 ـ عرض على المسرح العائم وساقية الصاوي. السيناريو (حدود من نار) 2004. الرواية (أحزان الأفاعي) 2011. له كتابان في عالم القصة القصيرة: (قانون صاحبة العطر) 2015، و(مهاجرون) ومضات قصصية 2016. تنفرد (المراقب العراقي) بنشر رواية (الشيطان يحكم العاصمة) اسبوعياً، للكاتب فرحات جنيدي قبل طبعها وتوزيعها في مصر أو في أي مكان آخر، وهي بذلك تؤكد تواصلها مع الثقافة العربية، ودعمها للكتاب والمثقفين في كل مكان.
الفصل التاسع
تنافست الكلاب مع الخفافيش على مملكة الظلام فانتصرت, فهجرت الطيور أغصانها واختبأت الأفاعي والعقارب في جحورها بعدما اقتربت الكلاب منا وهز صوت نباحها الأرض, وجدتني وحيداً على أبواب الوادي المظلم بعدما تبعادت المسافات بيني وبين طبيب العمال, فوسوس لي قريني بنهاية مرافقته لي وخرج من جسدي وطار من شدة الخوف فتهيأت للموت لكن يدي رفضت أن ترفع راية الاستسلام وتمسكت براية الأمل فأسرعت نحو الوادي المظلم فاقتربت من طبيب العمال فصرخت فيه كيف تتركني وتهرب؟!, أكمل هروبه وحملته الرياح بعيداً عني بمسافات مرة أخرى فحملني الخوف فلحقت به وأمسكت بكتفه فأمسك بيدي وقال صارخًاً: قلت لك اتبعني ولا تقلق سوف أنقذك. تعجبت ونظرت إلى عينيه وأنفاسه التي تعلن للدنيا مدى خوفه ونحن نضرب الأرض كالعاصفة نحو الوادي المظلم، وقلت متعجباً: تنقذني كيف وأنت لا تملك أن تنقذ نفسك؟ فضغط على يدي وقال بأنفاس متقطعة: أنا لا أنقذك أنا أنقذ نفسي لأنك أنت الشخص الوحيد النافع في تلك العاصمة وفي روحك إنقاذي, فاتبعني فأنا أعلم عن الوادي المظلم ما لم تعلم. صرخت فيه وقلت: وما فائدة علمك ونحن على خطوات من الموت؟ هل ينفع الدواء لجسد يحتضر؟ لم يهتم بكلامي وأكمل الجري نحو الوادي المظلم, اخترقنا الظلام فلم يعد يرى كل منا الآخر, تعسرت قدمي بشيء ما بالأرض فوقعت وارتطمت رأسي بحجر, حاولت النهوض ولكني فشلت, فصرخت عليه منادياً فتتبع أنفاسي وصوتي حتى وصل لي ورفعني من فوق الأرض فاتكأت على كتفه وأكملنا التقدم نحو الأمام, وبعد لحظات امتلك قلبي إيماناً كبيراً بمعرفته بالوادي المظلم فكل خطواته تدل على معرفته الجيدة, كان الوادي بدروب وشقوق عميقة وممرات ضيقة من الصعب أن يمرّ بها أكثر من شخص وبالتالي يصعب مرور جماعات أو عربات الجند التي تجرّها الكلاب, لم يكن عندي معرفة بالوادي المظلم غير القليل من المعلومات التي أحتفظ بها منذ مرافقتي للكاهن الطبيب والذي حدثني ذات مرة عن الوادي المظلم بشكل سريع ولم يكمل وكنت دائماً ألح عليه لكي يكمل حديثه عن الوادي المظلم لكنه دائماً ما كان يقول: إن الوادي المظلم فيه هلاك لكل ظالم وطوق للنجاة لكل مخلص.كنت أظن أني عاقل وأعرف العالم من حولي بشكل جيد ولكن الحقيقة أنني إكتشفت أني لا أعرف شيئاً وأن هناك جانباً آخر وهو جانب باطن وعميق ليس في متناول وعيي ومعرفتي، منطقة مجهولة وخاصة جداً لا أستطيع أن أطويها بإرادتي أو أرتادها حين أريد. وهذه المنطقة هي منطقة الخوف والتي لا تعترف بأي قوانين أو قواعد أو حدود والتي وضعها الإنسان بنفسه ليمشي عليها وينظم بها علاقاته مع المجتمع الخارجي, لكن عندما كان هدفي كله الوصول للأمل وتحدي الصعاب وضعت يدي على تلك المنطقة وأعلنت لعقلي أنه عندما يكون الهدف الوصول للحقيقة والحرية يتلاشى الحوف وينتهي, اليوم أشهد أول انتصار لي في حياتي وهو انتصاري على الخوف, هذا الانتصار الذي جعلني أشعر أني بالفعل على طريق البداية في طريق الحرية والتخلص من كل أوهام الآلهة التي فرضت عليّ منذ الصغر. ها هي عيناي تتمتعان لأول مرة بمشهد الإله “نتر” وهو يهتز ويهزم, لقد فشلت جنود وكلاب الإله “نتر” من الإقتراب منا فتوقفنا نلتقط أنفاسنا والحيرة تضرب رأسي عن المصير المجهول الذي سوف نواجهه, وأي صبر نصبر والصبر يرفض الصبر علينا، فنحن لا نريد أن نعيش في القصور فكل ما نريده أن يتركونا نعيش كما نحن حياة عادية لأناس عاديين، لماذا دائماً نحن بين خيارين كلاهما مر أن تصل إلينا جنود الإله “نتر” ونكون طعاماً لكلابهم أو نصل نحن بأنفسنا إلى طرق الهلاك في الوادي المظلم؟ أم نكون من الناجين ونلتفح بطوق النجاة ونخطو الخطوة الأولى في طريق الخلاص؟ توقفت عن التفكير وطرح الأسئلة عندما خاطبني طبيب العمال بإصرار غريب وطالبني بالتقدم نحو الأمام من دون خوف. تقدمنا نحو الأمام وقلبي يصرخ متمنياً ألا يعرف الخوف عندما يأتي الموت, فكانت المفاجأة لقد أصاب اليأس جنود الإله “نتر” فأطلقوا العنان لكلابهم حتى تقضي علينا فسلكنا دروب الوادي المظلم لكن التعب والإجهاد أضعف قوتنا فبادرنا بالإختباء في أول شق اقتربنا منه, لكن أنفاسنا المرتفعة بسبب الجري والتعب كانت دليلاً للكلاب الهجينة التي اقتربت منا وملأ صوت نباحها سماء الوادي، فهمس الطبيب في أذني: كلما أضعت فرصة وأنت تعمل من أجل الوصول للحقيقة فستحصل أخرى فكانت المفاجأة الثانية.اندفعت من بين شرايين وشقوق الوادي المظلم العشرات من القطط ذات الحجم المتوسط، قوامها طويل جداً، رأسها مستدير, مستدقة الفم، أذناها كبيرتان ، حادتان من طرفيهما وعيناها لوزيتا الشكل بلون أصفر أو أخضر، وذيلها طويل ومستدق من نهايته, معطفها حريري كثيف ولماع متوسط الطول ومتين ورشيق، متعددة الألوان منها فضي بعلامات فحمية أو برونزي أو دخاني بعلامات سود, تسود على أغلبها النحافة, شرسة تقارب سرعتها سرعة الفهد وترتبط بآذانها قرابة عشرين عضلة لتساعدها على العثور على طريدتها، بينما تساعد خصل الفراء على تحديد موقع الفريسة بالضبط. وهنا اكتشفت أنني كنت جاهلاً بجغرافيا العاصمة وتاريخها، وأن الاستهانة بصغائر الأمور هي أولى الخطوات في طريق الهزيمة. اخترق أذني صوت المرأة الأربعينية “اذهب وابحث عن طريق النهر، لا يهمك إن كان الباب ضيقاً أو متسعاً عليك فقط أن تكمل وسوف تجدني”, صرخت فيها “لم يحذف من قواميسي الخوف”! وكررتها مرات. احتضنني جسد قوي صلب كصخور الوادي المظلم, شعرت ببركان الخوف ينفجر في قلبي وشعرت بأن روحي تتهيأ للخروج لكن بمجرد أن همس في أذني بصوته اللين المحمول برياح الأمان وقال: لا تجعل دقات قلبك رخيصة إلى هذا الحد قاوم الخوف بالتحدي فلا يمكن أن يمحو الظلام ظلام، اشعل نور الأمل في قلبك. شعرت بشيء من الأمان وقلت وأنا أصرخ باكياً كالطفل الذي يشتكي همومه لأمه: كم يلزمني من الوقت كي أتخلص من هذا الخوف؟ لا أدري ماذا أصنع؟. ضمني إليه أكثر وأمسك بقطعة من الحجر ووضعها في يدي وقال: لن تدفع الأرض ثمن الصراع بين الخير والشر, لا بد لمن يعمر الأرض أن يحميها ،قاوم ليستمر بقاؤك، فكل مرٍ يمرّ, فعندما يكون المستهدف وطناً يصبح الخوف خيانة.
خرجت من بين يديه وأنا أنتفض، أفكاري جامحة وقلبي مملوء بالأمل, ضغطت على قطعة الحجر وابتعدت عنه خطوة فوجدت طبيب العمال يقف أمامي مبتسماً، فتزايد شعوري بالأمان, فاقترب مني ووقف بجواري ثم استدار و نظر إليّ وقال: إمّا أن تؤمن أو لا تؤمن، إما وطن أو لا وطن, الحراك ضد الظلم لن يؤتي بثماره إلا بعد أن نتمرد على أفكارنا وعلى أنفسنا وتوجهاتنا، والخوف فكر زرعوه فينا حتى نعيش أمواتاً, هيا تقدم نحو الخلاص وإن كانت النتيجة هي الموت، فليكن موتاً بلا خوف. ابتسمت وشعرت بالأمان يملأ قلبي ويفيض, اقترب مني طبيب العمال وأخذ بيدي، فبادرت بالخطوة الأولى نحو الأمام، فتقدمنا ذلك الرجل المجهول وصاح وقال: هيا انزع من قلبك وعقلك الخوف وأنت تواجه كلاب الإله “نتر”، عش الفخر بإنسانيتك واشعر بقوة عزيمتك وأنت ترسل الضربات على رؤوس الكلاب بلا خوف. قبضت على الحجر ومضيت خلفه وتقدمتنا القطط وإلتحمنا مع الكلاب في معركة شرسة، لكن الكلاب كان لها الغلبة, فبادرت القطط بالفرار فتركتنا الكلاب وتفرقت خلف القطط، فتلاشى صوت نباحها حتى اختفى. عادت القطط إلى موقعها وطبيعتها، وخيم عليها الهدوء حيث إتزان ذيولها واستقامة شاربيها وثبات مخالبها على الأرض. ومن دون شعور وجدتني أتساءل متعجباً لقد عادت القطط لكن الكلاب لم تعد, فنظرت إلى طبيب العمال وإلى رجل الوادي، فابتسم في وجهي وقال: هذا درسك الأول مهما بلغت قوة عدوك، فلن تكون بدرجة من القوة بحيث يتعذر مهاجمته مباشرة, فلا يُمكن أن يكون العدو متفوقًاً بكل شيء وكل جهـة, فحتماً لا بد من وجود نقطة ضعف يمكنك أن تهجم عليها. هل تعلم أن الكلاب لم تهتم بوجودنا في ساحة المعركة بقدر اهتمامها بالقطط؟ هل تعلم لماذا؟ لأننا في الأصل لم نكن هدفها، وكذلك معركتنا مع الجند لا بد أن تكون من أجل هدف وهدفنا الحرية, وبالحرية سنفرقهم من خلف الإله “نتر”، كما فرقت القطط الكلاب وتركتها تواجه وحوش الوادي المفترسة التي تقف بالمرصاد لكل غريب يقترب من أرضها، وعادت القطط لموقعها الطبيعي وكذلك ستكون مهمتنا وحينها سيقف “نتر” وحيداً أعزل أمام الرعية ويكون الحكم لهم ومصيره بين أيديهم. عدت إلى فضولي ولم أستطع إمساك لساني وقلت متسائلاً: من أنت؟ أ أنت الخلاص؟ أم أنت “ماو” الذي سيأتي بالخلاص؟!



