الإيثار سجية الأبرار
الإيثار هو من أرفع درجات الجود والكرم. ولا يتحلّى بهذه الصفة إلا الذين بلغوا قمّة السخاء، فجادوا بالعطاء، وهم بأمسّ الحاجة إليه، وآثروا بالنوال، وهم في ضنك العيش، لذا عدّت من أهمّ صفات الأبرار وشيم الأخيار، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: “الإيثار سجيّة الأبرار وشيمة الأخيار”. والإيثار هو أن يجود الإنسان بالمال أو النفس أو الراحة أو ما إلى ذلك من النّعم مع الحاجة إليها، وتفضيل الإنسان الآخرين على نفسه، وتقديم حاجتهم على حاجته. بخلاف السخاء الذي هو بذل الإنسان وجوده بما لا يحتاج إليه، لذا كان الإيثار من أرفع درجات السخاء، كما قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: “الإيثار أعلى مراتب الكرم، وأفضل الشيم”. أثنى الله تعالى كثيراً في كتابه الكريم على الذين يؤثرون على أنفسهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وعن الإمام الباقر عليه السلام، قال: “إن لله عزّ و جلّ جنّة لا يدخلها إلا ثلاثة: رجل حكم على نفسه بالحقّ، ورجل زار أَخاه المؤمن في الله، ورجل آثر أَخاه المؤمن في الله”. وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنّه قال: “من آثر على نفسه آثره يوم القيامة بالجنّة” عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: “عند الإيثار على النفس تتبيّن جواهر الكرماء” . فالإيثار يكشف باطن الإنسان ويعرّفه حقيقة نفسه، لأنّه ليس من السهل أن يقدّم الإنسان حاجة أخيه على نفسه، إلا إذا تجاوز عقبة حبّ الذات والدنيا، وآثر عليهما الله والدار الآخرة. فالإيثار من أهمّ العوامل التي تساعد على ارتقاء النفس وصفائها وبلوغها الدرجات العليا، لأنّها تجرّد النفس من التعلّقات الدنيوية والرغبات والأهواء النفسية التي لا تزيد الإنسان عن الله سبحانه وتعالى إلا بعداً واحتجاباً. فالمطلوب من الإنسان في سيره إلى الله أن يتخفّف من أوزان وأثقال هذه الدنيا الفانية ليلحق بالصالحين الأبرار، كما قال مولى الموحّدين علي عليه السلام: “تخفّفوا تلحقوا”. والتحلّي بصفة الإيثار يحتاج في البداية إلى ترويض ومجاهدة حتى تصبح هذه الصفة ملكةً راسخة في النفس، لذا في البداية يتكلّف الإنسان الإيثار ويجبر نفسه عليه، لأنّ حبّ النفس ومصالحها ما زالت موجودة. من هنا، يعدّ الإيثار من أنواع جهاد النفس أيضاً وثوابه عظيمٌ عند الله تعالى، إلى أن تطوّع النفس بشكل كامل بفعل المداومة على أعمال البرّ والإحسان فيصبح الإيثار عن طوعٍ ورضا ورغبة نفسية بعد أن كان عن كرهٍ وانزعاج. إنّ جميع خطايا الإنسان وابتلاءه بالمعاصي والسيئات سببها هذا الحبّ للدنيا والتعلّق بها، كما ورد في الحديث. حب الدنيا رأس كل خطيئة وإنّ من المفاسد الكبيرة لحبّ الدنيا هو أنّه إذا انطبع حبّ الدنيا على صفحة قلب الإنسان، واشتدّ الأنس بها، انكشف له عند الموت أنّ الحقّ المتعالي يفصل بينه وبين محبوبه، ويفرّق بينه وبين مطلوبه، فيغادر الدنيا ساخطاً مغتاظاً على وليّ نعمته. إنّ هذا القول القاصم للظهر يجب أن يوقظ الإنسان أيّما إيقاظ للحفاظ على قلبه. فالعياذ بالله من إنسان يسخط على وليّ نعمته، مالك الملوك الحق، إذ ليس أحدٌ يعرف صورة هذا السخط والعداء، غير الله تعالى.



