حقيقة الحلم


الحِلم هو التأنِّي وكظم الغيظ وضبط النفس بحيث لا تحرِّك قوة الغضب الشخص بسهولة، ولاتؤدِّي به مكاره الدّهر إلى الاضطراب، وقيل: الحِلم هو ضبط النفس عند هيجان الغضب فيكسر شوكة الغضب من غير ذلّ، وهو صفة تحمل صاحبها على ترك الانتقام ممّن أغضبه مع قدرته على ذلك. وكظم الغيظ هو إخفاء الغضب وحفظه. وكلاهما ـ الحِلم وكظم الغيظ ـ من الأخلاق الحسنة. ويكفي الحِلم مدحاً أنّه ورد في معظم الأحاديث مقروناً بالعلم عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: والذي نفسي بيده، ما جمع شيءٌ إلى شيء أفضل من حلم إلى علم”. وقيل: الحِلم مِلح الأخلاق، فكما أنّ كلّ طعام لا يُعرف طعمه إلا بالملح، كذلك لا يجمل الخُلق إلا بالحِلم. والحلم مقلوب الملح. والحلم هو نور جوهرهُ العقل، و تمام العقل، ونظام أمر المؤمن، وجمال الرجل. لقد مدح الله الحلماء والكاظمين الغيظ وأثنى عليهم في محكم كتابه الكريم، فقال عزّ وجلّ: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ . وقال عزّ اسمه: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ وقال عزّ و جلّ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ وعن الإمام الباقر عليه السلام، قال: “إنّ الله عزّ و جلّ يحبّ الحيِي الحليم” . وعن الإمام الرضا عليه السلام، قال: “لا يكون الرجل عابداً حتى يكون حليماً، وإنّ الرجل كان إذا تعبّد في بني إسرائيل لم يعدّ عابداً حتى يصمت قبل ذلك عشر سنين”. عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: “إذا وقع بين رجلين منازعة نزل ملكان، فيقولان للسفيه منهما: قلت وقلت وأَنت أَهل لما قلت، ستُجزى بما قلت، ويقولان للحليم منهما: صبرت وحلمت سيغفر الله لك إن أَتممت ذلك”، قال: “فإن ردَّ الحليم عليه، ارتفع الملكان”. سأل أحدهم الإمام الحسن العسكري عليه السلام عن الحلم، فقال: “هو أَن تملك نفسك وتكظم غيظك، ولا يكون ذلك إلا مع القدرة”. ما دام الإنسان يعيش في هذه الدنيا فإنّ الأحداث المستجدّة والأمور المفاجئة والمواقف غير المتوقّعة قد تطلّ برأسها في كلّ لحظة لتعكّر صفوه وتنغّص عيشه، فإذا لم يكن ذا حلم وسعة صدر في تحمّل الصعاب ومواجهة المشاكل، فسرعان ما قد تشتعل نار قوة الغضب في صدره، والتي إذا ما خرجت عن حدّ اعتدالها ومالت إلى حد الإفراط ربما أدّت بصاحبها إلى هلاك نفسه، أو فساد دينه وخراب دنياه، حيث يمكن أن توقعه والعياذ بالله في الطغيان والظلم، وهتك النواميس، وقتل النفوس المحترمة، فعن الإمام الباقر عليه السلام، قال: “أيّ شيء أشدّ من الغضب؟ إنّ الرجل يغضب فيقتل النفس التي حرّم الله ويقذف المحصنة”. كما يمكن أن تؤدّي إلى ضياع العقل، كما قال الإمام الصادق عليه السلام: “من لم يملك غضبه لم يملك عقله”، وإلى إطفاء نور الإيمان، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الخلّ العسل”. فقوّة الغضب تفوق سائر القوى خطراً، لأنّها قد تؤدّي في لحظات قليلة إلى الكثير من المفاسد والشرور، وقد تخرج الإنسان في دقائق معدودة من هذا الوجود كلّه، وتحرمه من سعادة الدنيا والآخرة. لذا، على الإنسان المؤمن الحريص على دنياه وآخرته أن يتحلّى بملكة الحلم لكي لا يصبح أسيراً لآفة الغضب المهلكة، ولكي يتمكّن من مواجهة مخاطرها المحدقة. فإذا سعى الإنسان في حركاته وسكناته إلى العمل بهدوء وسكينة، وضبط نفسه وكظم غيظه مدّة وتكلّف الحلم وحمل نفسه على التصرّف كذوي الحلم، فإنّ ذلك يفضي به لا محالة إلى الحلم. وإذا واظب على هذا الأمر مواظبة كاملة لمدّة معيّنة وراقب نفسه مراقبة صحيحة، فسيتحوّل هذا الذي يتكلّفه إلى أمرٍ عادي بالنسبة إلى النفس وسيحصل على النتيجة المطلوبة، كما قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: “إن لم تكن حليماً فتحلَّمْ، فإنّه قلّ من تشبّهَ بقوم إلا أوشك أن يكون منهم”. وعن الإمام الصادق عليه السلام، قال: “إذا لم تكن حليماً فتحلّم”. فالعفو تاج المكارم.



