اخر الأخبار

الحرب الناعمة الأسس النظرية والتطبيقية

3542

الجزء الثالث والعشرون

وبناءاً عليه، تنتمي الحرب النفسية والدعاية إلى الحقبة السابقة على إنتشار التكنولوجيا الجديدة، وهي وان اشتركت مع الحرب الناعمة في الهدف لجهة إستهداف تطويع إرادة العدو الدول والنظم والرأي العام والمنظمات والجماعات ولكنهما تختلف في الأساليب والوسائل. في الأساليب ترتكز الحرب الناعمة على الإستمالة والإغواء والجذب وزرع الأمل وتقاسم القيم والأهداف والشعارات المشتركة مع الطرف الآخر المستهدف، دون أن تظهر للعيان ودون أن تترك أي بصمات، أي تصدير الأمل وجاذبية النموذج، والوعود بحياة أفضل وفق أسلوب الحياة الأميركي والغربي, وتحكيم العقلانية والمعايير العقلانية، ونيل الحريات الفردية لأقصى الحدود، واطلاق الغرائز ونشر الإباحية الجنسية والتحرر الاجتماعي والفردي وإمتلاك الأمل بالمستقبل. في حين ترتكز الحرب النفسية والدعاية إلى إرغام العدو وتدمير إرادته وإرعابه وتخفيض مستوى معنوياته بصورة مباشرة وعلنية، أي فرض الإرادة وتصدير الخوف والإرعاب. وتختلف الحرب النفسية عن الحرب الناعمة في كمية ونوعية الوسائل المستخدمة، حيث تعاظمت وتوسعت الأدوات الإعلامية والإتصالية لدى الرأي العام في الوقت الراهن، بحيث إن الوسائط والأدوات المستخدمة في الحرب الناعمة أصبحت في متناول الجميع بلا إستثناء ودخلت إلى كل البيوت 24 / 24 ساعة من خلال شاشات التلفزيون والإنترنت والهواتف الخلوية، بحيث غرقت الدول بالمقروءات والمسموعات والبصريات والأخبار والمنتجات الإعلامية بلا أي قيود رقابية في ظل عولمة إعلامية وثقافية ومعلوماتية فورية ومفتوحة ومتفاعلة ومترابطة بشكل لا سابق له وبأثمان وتكاليف مالية مجانية أو شبه مجانية. في حين كانت الحرب النفسية والدعاية تعتمد على مخاطبة كتل منظمة ومتراصة ومتماسكة جيوش / حكومات / قيادات المنظمات ونخب الأحزاب / الرأي العام ككتلة ضخمة وعقل جمعي واحد، وليس كأفراد وشبكات كما يحصل اليوم. وكانت الحرب النفسية تعتمد أدوات عصرها إذاعات وتلفزيونات حكومية قليلة جداً ومحدودة الإنتشار/ بضعة صحف حكومية وشبه حكومية / دور نشر وكتب ومنشورات تخضع للرقابة الحكومية – وتزخر وثائق القرن العشرين بأنشطة المخابرات البريطانية والأميركية في شراء دور النشر والكتاب والمثقفين- وكذلك الإذاعات التي كانت الأكثر انتشاراً، كإذاعة صوت أوروبا الحرة الموجهة نحو الجمهور الشيوعي في أوروبا الشرقية زمن الحرب الباردة. أما مفردة الغزو الثقافي فهو مصطلح أطلقه أوائل التسعينات وتحديداً عام 1992 ولغاية أوائل القرن 21 الإمام الخامنئي دام ظله على حالة “الغزو الحضاري والثقافي التي تعني اغراق المجتمعات الإسلامية بأفكار وقيم وأنماط تفكير وعادات وسلوكيات أميركية وغربية لغاية ادخال تعديلات مؤثرة في هوية الكيان الثقافي الإسلامي بغية استبداله بهوية حضارية وثقافية زائفة لأجل مكاسب سياسية واستعمارية” . وقد صاغها الإمام الخامنئي دام ظله كرد على مقولة العولمة Globalization التي انتشرت أنذاك. وبالأصل مصطلح الغزو الثقافي ينتمي تاريخياً وزمنياً إلى الجيل التكنولوجي الثالث السابق حيث كان صراع النخب الفكرية والثقافية يتم عبر المنابر الفكرية والكتب ودور النشر والمطبوعات والإذاعات الحكومية، وقد صاغه كتاب اليسار الشيوعي خلال مدة السبعينات خلال مواجهاتهم الفكرية والثقافية مع المعسكر الغربي. في حين أن مقولة الحرب الناعمة – وليس القوة الناعمة – استعملت من الإمام الخامنئي في شهر حزيران من عام 2009 أثناء وقوع الفتنة الرئاسية في إيران. وكخلاصة، يرتكز الغزو الثقافي إلى تصدير المحتوى الثقافي والأنماط الحضارية واللغات الأجنبية ونشرها في ساحات الآخرين لتحقيق وتسهيل الأهداف السياسية والاقتصادية والعسكرية، في حين أن الحرب الناعمة أكثر تخطيطاً وتركيزاً، وتعتمد على الجيل التكنولوجي الرابع، وأصبحت شكلاً حربياً قائمة بذاته، لدرجة أنها يمكن أن تشكل في حالات كثيرة بديلاً للحرب العسكرية (حالة إيران هي الأوضح في هذا المجال).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى