ثقافية

جنتي

3620

غسان عباس محسن

ما زلت اذكر كل شيء وكأنه قد حدث البارحة، برغم ان أعواماً طويلة مرت على حدوثهِ حيث استيقظتُ في ساعةٍ مبكرة من ساعات صباح تشريني جميل، وفيما كانت أشعة الشمس الدافئة تشق الطرقات وتمسح النعاس عن وجوه الشوارع الحزينة، كان اخوتي يقطعون الطرقات المتربة في طريقهم الى مدارسهم. أدركت بأني بقيت لوحدي في المنزل الذي بددت هدوءه أصوات الدجاجات التي انتشرت في باحة المنزل، فحاولت ان أبحث عن شيء ما أتسلى به او ان أجد لعبة تبدد ضجري بعدما اصبح المنزل موحشاً لدرجة كبيرة، فقد صدف ان أخذت والدتي أختي التي تصغرني بعامين الى المركز الصحي بعدما ألمت بها وعكة صحية وذلك لكي يعاينها الطبيب المختص ويكتب لها الدواء الملائم.
حاولت ان أتفحص بعيني الناعستين جدران المنزل العتيق بعدما تأكدت من كوني وحيداً هناك، فلم ارَ ما يثير اهتمامي خلا بعض الشقوق الصغيرة في الجدران الصدئة بفعل الرطوبة، وصارت بعض الأشياء غير المألوفة والبسيطة تلفت اهتمامي في حين اني لم أكن ألتفت إليها في الايام الاعتيادية، فقلبت بصري الى ان انتبهت أخيراً الى نضد البطانيات والأغطية المرتبة والموضوعة فوق بعضها والتي كانت تثير اهتمامي وفضولي فيما سلف من اوقات. وكان فضولي كثيراً ما يدفعني أن اسأل نفسي حول ما يوجد فوقها وهي التي تبدو لي كجبل شاهق يكاد يلتصق بسقف الغرفة الذي كنت أتمنى أن اصل إليه او ألمسه في يوم ما، كما ان مخيلتي كثيراً ما كانت تدعوني إلى ان أصل إلى تلك الفسحة التي بين سقف الغرفة ونضد البطانيات حيث تصور لي وجود عوالم غريبة وأشياء عجيبة هناك. ولكن تحذيرات والدتي الكثيرة من خطورة الصعود الى هناك وما كانت تردده من ان هناك نارا يعيش فيها الجن والغيلان كانت تردعني، برغم اعتقادي بأن هناك جنة جميلة ومخلوقات رائعة فوق البطانيات، ولذلك كانت اعتقد بان أمي كذبت عليَّ فيما يتعلق بهذا الامر حتى لا اصل اليها، وذلك ما حفزني على الصعود الى هناك فلم استطع ان اكبح جماح رغبتي وشجعني خلو المنزل وابتعاد والدتي عني على فعل ذلك. فاستجمعت شجاعتي وبدأت التسلق، وبرغم قلقي وانزلاق قدمي في أول الأمر لكن ذلك لم يردعني عن مواصلة التسلق، فمضيت ومع كل حركة قمت بها كنت اشعر بصعوبة الأمر، وكان نبض قلبي يضطرب ويشتد حتى لكأنه صار كقرع الطبول التي ملأت كياني، لكني كنت استجمع أنفاسي وامسح عرق جبيني بكم قميصي العتيق. وبرغم كل ما واجهني من صعوبات ومنها ان يدي كادت ترتخي فانزلق وأوشكت على السقوط، لكني لم اسمح لهذا الامر ان يثني من عزيمتي فواصلت تسلقي حتى وصلت الى ما فوق نضد البطانيات بشق الأنفس، بعد ان ملأ الغبار حلقي وعيني، وبعدما نال التعب من عضلات جسدي الصغير. ولم أكد اصدق باني فعلتها ووصلت اخيراً الى ذلك المكان، فرفعت رأسي لأرى ذلك العالم اخيراً، فأصابتني الدهشة لدرجة اني نسيت تعبي وكل ما تكبدته من عناء ومشقة من اجل الوصول الى ذلك المكان، اذ لم يكن هذا العالم شبيها بما كنت اتصوره كما انه لم يكن مشابها لما كانت تصوره لي أمي، فقد كان شبيها بمنزلي والمنطقة التي اسكن فيها الى حد التطابق.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى