اراء

الأغلبية السياسية .. كيف يفهمها السياسيون العراقيون ؟

3464

محمود الهاشمي
يعد النظام البرلماني الذي اعتمدته العملية السياسية في العراق من الانظمة المعقدة التطبيق ، كونها تحتاج الى طبقة سياسية مثقفة والى شعب متعلم ان لم أقل مثقفا ، وهذه المعادلة طالما بحث بها المفكرون والفلاسفة من قبل التاريخ وحتى يومنا هذا ، حيث سأل افلاطون انذاك عن امكانية اقامة نظام ديمقراطي في دولة مازال شعبها متخلفا (غير متعلم) وتساءل ايضا امكانية الانتظار لحين تعلمهم ثم تطبق الديمقراطية أو ان تطبق ويستمر الشعب بالتعلم !! هذه الاسئلة لم يجب عنها أحد حتى الان !! النظام البرلماني باختصار (أحد أشكال النظام الديمقراطي التعددي يقوم على التداخل بين السلطتين التنفيذية (الحكومة) والتشريعية (البرلمان). وتكون الحكومة فيه مسؤولة أمام البرلمان، وأعضاؤها ينتمون في أغلبهم إلى الحزب أو الائتلاف الحائز على الأغلبية البرلمانية) هذا النظام اعتمدته بريطانيا منذ عام 1215م وظل يتطور حتى وصل الى ما وصل اليه الان ، وهذه الموازنة التي فيه دقيقة جدا وتحتاج الى مهارة عالية في الادارة (التداخل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية) وهذا التداخل يحله (التعاون) الذي هو ثيمة النظام البرلماني .. وحتى يصل العقل الحاكم الى هذا الرقي (التعاون) يحتاج الى طبقة سياسية تضع المصالح العليا للبلد فوق كل المصالح .. وهذه (الطبقة) الشعب هو الذي يأتي بها الى السلطة عبر صناديق الاقتراع .. ترى هل ان شعبا مازال في دور النمو ولديه ثمانية ملايين أمي لديه القدرة على انتاج هذه الطبقة ؟ لا شك انه غير قادر ولذا امتلأ مجلس النواب بالأميين الذين تسببوا بافساد التجربة السياسية في البلد . واحدة من اهم تقاليد النظام البرلماني ايضا هو (الاغلبية السياسية) وهذه الاغلبية هي التي تكون مسؤولة عن تشكيل الحكومة ، فيما يتولى مجلس النواب المصادقة عليها ومراقبتها !! الذي افسد هذا النظام (الاغلبية) هو نظام (المحاصصة) الذي فرضه الاحتلال الاميركي بوصفه مناسبا للتنوع الديني والعرقي والطائفي والذي افسد العملية السياسية برمتها ، وجعلها تصل الى طريق مسدود !! وكجزء من التحضيرات للانتخابات المقبلة ، راحت الاحزاب السياسية تتوزع في توجهاتها لتسد حالة القلق الذي ينتابها بسبب علمها التام ان الشعب ادرك مخاطر مستقبله وفشل طبقة السياسيين وما عاد يطيق عودتهم .. فتوزع القلق بين داع لورقة التسوية (التاريخية) لغرض تجاوز رأي الشعب واعادة انتاج الاحزاب الفاشلة عبر توزيع (المغانم مسبقا) وبين احزاب تدعو الى الاصلاح واخرى تدعو الى الانفصال والتقسيم أو احزاب تنتظر ان تلقي بنفسها على هذه الكتلة أو تلك وفقا لمصالحها الحزبية .. واحزاب هربت الى الخارج تبحث عمن يضمن لها نصيبا في القادم من الايام في ادارة الدولة ..اما الدعوة الاكثر اتساعا حتى الان فهي الدعوة الى نظام الاغلبية السياسية ..وهذه الدعوة التي هي مفصل مهم من النظام البرلماني ،جاءت على خلفية سلسلة الهزائم التي انتجها نظام المحاصصة ، هذه الدعوة ستواجهها التحديات الاتية . واولها ثقافة طبقة السياسيين ،وايمانهم ان الكتلة الفائزة لا تبحث عن الامتيازات الخاصة وتترك حرية اختيار الكابينة الوزارية لمرشح الكتلة !! والتحدي الاخر هو الاعلام المضاد الذي ستقوم به الكتل السياسية غير المؤمنة بنظام الاغلبية وبما تملكه من وسائل الاعلام وتشويه الرأي العامة !! أما اكبر التحديات فهي فيما لو لم تحصل الكتلة الداعية للاغلبية على عدد المقاعد الكافية لتشكيل الاغلبية !! عندها ستضطر ان تأتلف مع كتل صغيرة لإكمال الرقم المطلوب وهذه الكتل (الصغيرة) تعرف اهمية رقمها فتبدأ بفرض امتيازات اكبر من حجمها الانتخابي بكثير وتبدأ بذلك المشكلة بافساد المشروع .. وعلينا ان لا ننسى ايضا التدخلات الخارجية فالولايات المتحدة لا ترغب بمشروع الاغلبية ، لأنه يقضي على مشروع المحاصصة الذي يضمن لهم المزيد من البقاء والتدخلات .. كما ان هناك دولا ترى في نجاح التجربة السياسية في العراق هزيمة لها سواء من باب طائفي أو سياسي . وستعمل هذه الدول على افشال هذا المشروع باستخدام ادواتها في الداخل .. وأذكر من يدعو الى نظام (الاغلبية) ان هناك من لا يؤمن بهذه التجربة من داخل كتلته ، وهنا يلزم حذفهم من هذا المشروع ، كما يجب عدم انتاج ذات الاسماء القديمة التي لا يرى فيها الناس سوى مدعاة للقرف والفساد بكل انواعه .. اقول اننا حقا بحاجة الى نظام ينتج لنا برلمانا قويا وحكومة قوية ، وهذا الامر يدعو الى الانفتاح على كل الجهات، اعني المراكز العلمية والأكاديمية والنخب المثقفة وأصحاب الرأي والخروج من شرنقة الحزبية والاستماع الى الرأي الاخر وقراءة المشهد السياسي بكل تفاصيله وإضافة دماء جديدة للكتلة وكتابة برنامج تفصيلي لما بعد الانتخابات، وحين لا يجد طريقا للنجاح ارجو الكف عن المشروع وعدم الرضا بانصاف الحلول لان الشعب عندها سيحمله مسؤوليتين ، الاولى انه ضيّع اصوات الناخبين الذين راهنوا على شخصية أو كتلة رفعت شعار (الاغلبية السياسية) والثانية اضاعت فرصة تطبيق نظام الاغلبية السياسية الذي هو تقليد ديمقراطي يتطابق مع النظام البرلماني العالمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى