اراء

فساد الدولة أم دولة الفساد ؟!

3208

مقداد محمد فليح
لم يعد الحديث عن الفساد في العراق أمراً غريباً بل أصبح وعلى غير المعتاد القاعدة العامة التي تبنى عليها جميع النقاشات والحوارات العامة سواء ما كان منها رسمياً أو شعبياً، وتتنوع أشكال الفساد وأصنافه ولكن بطبيعة الحال يبقى الفساد الإداري والمالي هو الأخطر على الإطلاق لكونه يؤثر على جميع نواحي الحياة، فالمال العام هو شريان الحياة وهو المحرك الأساس لجميع القطاعات الحيوية والإنسانية والثقافية وغيرها على حدٍ سواء، وقد أنتشر الفساد في العراق بشكل كبير لا يمكن إخفاؤه، وقد صرح أحد المسؤولين الكبار في العراق بأن «الجميع فاسدون من قمة الهرم إلى قاعدته بمن فيهم أنا»، ونفس هذا المسؤول وصف نفسه بالأمين الصادق كون إن أحد المسؤولين قد عرض عليه بضع ملايين من الدولارات لوقف التحقيق معه، فأخذ المبلغ وظل مستمراً في مقاضاته»، فهو بهذا لا يرى ما فعله فساداً بل صدقاً وأمانة ولكن !! ما السبب في انتشار الفساد وما هي السبل الكفيلة للحد منه ؟.
في البداية ينبغي أن نعرف ما هو الفساد وما هي أسبابه قبل أن نقرر كيف يمكن الحد منه، فقد عرفت منظمة الشفافية الدولية الفساد بأنه «اساءة استعمال السلطة الموكلة لتحقيق مكاسب خاصة» عليه فأن الفساد هو باختصار خيانة المسؤولية التي أوكلت إلى الطبقة الحاكمة من قبل الشعب، والفساد يغطي مجموعة واسعة من الممارسات السياسية والاقتصادية والإدارية المشبوهة والمريبة ويشمل مساحة واسعة من الاعمال والتصرفات غير الشرعية، فهو ظاهرة معقدة تتشعب أسبابها وتتنوع اثارها وتشمل انواعا مختلفة من انماط السلوك الشاذة كالرشوة والاختلاس وإلإبتزاز والسرقة وغيرها، وقد عانى العراق ومازال يعاني من انتشار هذه الظاهرة بشكل مضطرد تصدر على أثرها أغلب التقارير الدولية التي تتحدث عن انتشار الفساد وغياب الشفافية في الإدارة العامة ولعل ذلك مرتبط إلى حدٍ ما بالأحداث الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تواجه العراق، وقد تباينت ردود الأفعال عن تلك التقارير فنهم من يرى إن تلك التقارير الدولية ما هي إلاّ وسائل ضغط من دول كبرى ويرى آخرون بأنها غير دقيقة وتستند إلى وسائل الإعلام أو إلى منظمات معادية للعراق في الحصول على معلوماتها في حين يرى البعض الآخر بأن تلك التقارير واقعية وتمثل بشكل حقيقي حجم الفساد المستشري في مؤسسات الدولة كافة، وأياً كانت الأسباب التي أدت إلى استشراء هذه الآفة الكبيرة فأن الأمر يدعو إلى دراسة تلك الأسباب بصورة حيادية موضوعية ووضع الحلول الناجعة لها، فهل الفساد سوء استخدام السلطة أم إن السلطة هي من تجعل المسؤول فاسداً !! تعد قضية مكافحة الفساد أحد أبرز المبررات الداعية إلى تطبيق الحوكمة الرشيدة وإصلاح النظام الإداري والقانوني وتتفق أغلب الدراسات بهذا الصدد إلى إن الفساد يؤدي إلى إضعاف النظام الإداري والقانوني كما لو كان هنالك نظام إداري قوي وقوانين رادعة وأتى الفساد ودمر كل ذلك وأنتشر في المؤسسات دون سيطرة، فهل الأمر كذلك ؟ إن الأمر غير ذلك تماماً فظواهر وأشكال الفساد كافة لا يمكن لها أن توجد أو تنتشر دون وجود أرضية صالحة لها فلا يمكن اعتبار ما هو شاذ قاعدة وما هو صحيح استثناء فضعف الإدارة وغياب قوة القانون سهل الطريق للفاسدين فرض أرادتهم وممارسة هوايتهم المعتادة في سرقة المال العام، فضلاً عن إن هنالك أسبابا اجتماعية وتأريخية ساهمت هي الأخرى في استشراء هذه الظاهرة، فقد أتسم النظام الإداري في العراق ومنذ تأسيس الدولة العراقية في عشرينيات القرن الماضي بالبيروقراطية العالية والروتين في إجراء المعاملات فضلاً عن إن النظام القانوني في العراق قد أتسم بالتغيير في القوانين والتشريعات والأنظمة بشكل مستمر وخصوصاً ما بعد أحداث 2003، أما النظام الاقتصادي فهو الآخر يعاني من أختلالات شديدة الخطورة فلم تنجح جهود الحكومات المتعاقبة ما بعد 2003 من أحداث تغيير في هيكلية الاقتصاد العراقي على الرغم من أن الدستور العراقي قد أقرَّ في الباب الثاني منه الحقوق والحريات (المادة «25» من الدستور) على أن تكفل الدولة إصلاح الاقتصاد العراقي وفق أسس اقتصادية حديثة وبما يضمن استثمار كامل موارده وتنويع مصادره وتشجيع القطاع الخاص وتنميته إلاّ إن الملاحظ أن الدولة مازالت هي المسيطرة على الحياة الاقتصادية والقطاع الخاص لم يجد الفرصة المناسبة لأخذ المبادرة فضلاً عن عدم وجود قوانين أو أنظمة تحمي المستثمرين وتطمئنهم باستثمار أموالهم في السوق العراقية، فظلت الدولة هي صاحبة القرار والأموال التي تأتي من بيع النفط الخام العراقي تبوب جميعها في الموازنة العامة للدولة سنوياً تذهب أغلبها كرواتب ونفقات تشغيلية في حين يذهب الجزء الأقل منها كمشاريع استثمارية تسيطر عليها شركات تعود ملكيتها أو تسيطر عليها أو على الأقل تخضع لجهات متنفذة، فبقت أغلب تلك المشاريع معطّلة مع تدني نسب تنفيذ بعضها بسبب سوء التخطيط فضلاً عن سوء تنفيذها فانعكس هذا الأمر في سوء الخدمات المقدمة للمواطنين وزيادة نسب البطالة وتدهور الأمن. بلا شك إن مكافحة الفساد تتطلب جهداً وتخطيطاً وإستراتيجيات فعّالة، إلاّ إنه وقبل ذلك ينبغي أن يتم إصلاح منظومة إدارة الدولة وخصوصاً الإدارة المالية في العراق، فمن غير المعقول أن يستمر العراق بتطبيق نظاماً إدارياً صاغه لنا الاحتلال البريطاني وأستمر إلى هذا اليوم على الرغم من جميع المتغيرات التي رافقت بناء الدولة وإدارتها واقتصادها ناهيك عن المتغيرات الاجتماعية والسياسية، فعلى الجميع أن يدرك بأن مكافحة الفساد لا يكون فقط من خلال بناء أجهزة رقابية أو زيادة أعدادها ولا حتى من خلال فرض عقوبات أو قوانين رادعة فالقوانين سوف تخترق ولن تتم محاسبة أحد فالفساد أن وجد أفسد معه كل شيء، إن الحل يكمن في بناء الدولة وتعزيز أمنها الداخلي وفرض نظام اقتصادي يتناسب مع طبيعة المجتمع العراقي وثقافته وتأريخه وإعادة صياغة النظام الإداري وإشراك المجتمع في إدارة الدولة من خلال تعزيز منظمات المجتمع المدني وبنائها على أسس صحيحة وجعلها رافداً حقيقياً بعيداً عن التحزب والانتماءات السياسية أو الطائفية فضلاً عن تعزيز أسس الشفافية والمساءلة في الإدارة المالية والعامة وحرية الإعلام وإصلاح النظام التعليمي والأكاديمي وإصلاح القضاء ثم بعد ذلك يتم التفكير في الأجهزة الرقابية والقوانين الرادعة. إن النظام الحالي في العراقي لا يمكنه محاربة الفساد حتى لو توفرت لديه الوسائل كافة بل إن هذا النظام يشجع أي مسؤول على أن يكون فاسداً نظراً إلى ما يمكن ان يتوفر له من الحماية والدعم على عكس ما يمكن أن يتعرض له المسؤول النزيه من صعوبات في ظل هذا النظام، حتى لو تعالت أصواتنا أو ملأت كتاباتنا صفحات الجرائد أو كتبت آلاف البحوث ضد الفساد وذمّاً وقدحاً فهذا مجرّد هراء، الحل في تغيير أفكارنا وأنظمتنا الحالية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى