اخر الأخبار

قراءة في فكر الإمام الخميني

د. محمود خفاجي
رغم انقضاء مدة ليست بالقصيرة على وفاة الإمام الخميني (رض) لايزال الإمام وطروحاته الفكرية تمثّل شخصية عابرة للزمن, طالما شغلت الاوساط السياسية والفكرية والدينيه، فضلا عن كونها لاتزال حتى الآن مثار جدل القوى الدولية والاقليمية لاسيما بعد ان تمكنت الثورة الاسلامية في إيران من تشكيل تحالف واسع تحت راية الإمام الخميني بوصفه الأمام الذي جسّد كل نضالات ايران وعذاباتها ووفر للجميع ما يريدون في الخلاص من الراسمالية الامريكية المهيمنة واستعادة ايران لموقعها الطبيعي عبر اقامة حكم ديني قائم على نهج النبي (ص). خلال مرحلة النضال ضد النظام الشاهنشاهي رأى الإمام الخميني ان الاداة الرئيسة في يد المقاومة الايرانية يجب ان تتمثل بالاسلام الثوري غير المهادن كبديل لمنهج الاسلام المذعن بوصفه الاداة الوحيدة التي تمكن الشعوب الاسلامية المتحدة من ان تنصر دينها مجددا في وجه اعتداءات الغرب وفساد الطبقة الحاكمة وبذلك نجح الإمام الخميني في تحويل الاسلام الى عقيدة مناهضة للرأسمالية الغربية عبر توظيف شعاراته المقدسة واستحضار تاريخ النضال ضد الكفر وتفعيل دور الاسلام بوصفه حافزا اساسيا لاستنهاض عزيمة المؤمنين للدفاع عن حقوقهم واستعادة كرامتهم الضائعة. لقد كان الصراع في نظر الإمام الخميني حتميا ضد سياسات الولايات المتحدة استنادا الى عدم قدرة إيران كجمهورية اسلامية على احتمال وجود قوة عظمى غربية تساند اسرائيل وتسعى للهيمنة السياسية على العالم الاسلامي وفي هذا الاتجاه جاء قوله ( يجب ان نصفي حساباتنا مع القوى العظمى ونريهم ان بمقدورنا مواجهة العالم) لقد دعا الإمام الخميني في كتابه الاكثر تاثيراً (الحكومة الاسلامية وفق مبدأ الولي الفقيه) الى تولي السلطة السياسية بشكل مباشر من رجال الدين بعد ان أدرك الإمام الخميني ان النبي محمد (ص) لم يكن مجرد موجه روحي بل رجلَ إدارة ومنفذا للعدالة وزعيما سياسيا وقد احدث بذلك ثورة جذرية في التقاليد الاسلامية بصورة عامة والتقاليد الإسلامية الشيعية بصورة أكثر تحديدا، وفي إطار هذه الرؤية أكد الإمام الخميني رفضه التام لقبول نظام حكم لا يستند الى التطبيق الصحيح لمبادئ الاسلام و دعا الى وجوب تولي رجال الدين الحكم كونهم الأكثر معرفة بالقانون الإلهي بالنظر الى الحاجة للتوفيق بين النظام الاجتماعي والأمر الديني وعَارَضَ جميع الدعوات التي أكّدت ضرورة إنكفاء رجال الدين على المساجد وترك السياسة لاهلها قائلا ( لاتصغوا الى اولئك المعارضين لنهج الاسلام الذين يعدّون انفسهم متنورين ومن يناوئون حكومة الفقهاء لن يكون سوى الطاغوت بديلا عنها)، لقد نجحت ثورة الامام الخميني في وضع اسس حكم صلبة تتجاهل السياسة الامريكية وتصمد بوجه الضغوط الاقتصادية والعزلة الدولية واطاحت بكل التهديدات التي ارادت ان تساهم في الاطاحة بها والاكثر اهمية من كل ذلك انها نجحت في اعادة توجيه مسارات تلك الضغوط الدولية واستثمار مكامن الخلل في سياسات الولايات المتحدة وتحويلها الى ادوات لتدعيم المكانة الاقليمية والدولية للجمهوية الاسلامية، وفي اطار ذلك اصبحت إيران اليوم جزءا اساسيا من الحل في افغانستان والعراق وسوريا ولبنان ولها حضور فاعل في كل من اليمن وفلسطين رغم وصفها من الولايات المتحدة على انها دولة متشددة تسعى الى ايذاء جيرانها وفرض نموذجها الاسلامي في الشرق الاوسط . لقد آن الأوان ان يفهم الجميع الحقيقة التي تقول ان الذين راهنوا ولا يزال يراهنون على فشل الحكم في إيران سيكون مصيرهم الفشل كما فشلوا سابقا في التنبؤ بقيام الثورة الإسلامية في إيران من قبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى