الحرب الناعمة : الأسس النظرية والتطبيقية


الجزء الرابع
القوة الناعمة في حسابات الصين وروسيا وبريطانيا وألمانيا واليابان وإيران
بدأت مقولة “الحرب الناعمة” بالإنتشار دولياً، فتبنت الصين نظرية القوة الناعمة، وشخصت أجهزتها وجود حرب ثقافية وحرب ناعمة تقودها الإدارة الأميركية وحلفاؤها لضرب الصين من الداخل، وتفكيك هويتها الثقافية وتفكيك مكوناتها القومية، حيث أنشأت شركة غوغل العالمية بدعم من وزارة الخارجية الأميركية مواقع بمختلف اللهجات القومية الصينية كما اشترت الشركة الأميركية والت ديزني مساحات ضخمة في أبرز المدن الصينية كشنغهاي . واعتمدت الصين المقولة في برامجها بشكل لافت في ضوء مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني الذي انعقد عام 2011، وسحبت بموجب هذا التوجه 88 برنامجاً تلفزيونياً أميركياً وغربياً كانت تبث من على شاشات وشبكات التلفزيون الصيني، وتبنت “استراتيجية المواجهة الثقافية والسياسية” و”استراتيجية الاستثمار في الإنتاج السينمائي والتلفزيوني والثقافي والإعلامي والتعليمي والاتصالي، خاصة الإنترنت”. وقد نصت وثيقة “الأمن الثقافي الوطني” التي أقرتها قيادة الحزب الشيوعي الصيني على وجوب “مواجهة التحديات الثقافية والإيديولوجية على المستوى الدولي، التي ازدادت تعقيداً، وهو ما يفرض تعزيز القوة الثقافية الصينية ومقاومة تسلسل القوى المعادية، واعتماد مبدأ التنمية الثقافية وعملية الإصلاح الثقافي”. وأقدمت الصين على إجراءات لتحصين شبكة الإنترنت الصينية من التلاعب والاختراق، لأن هدف الأعداء “إضعاف الصين وتفتيتها وتقسيمها” وفق تصريح الرئيس الصيني هوجنتاو . وانتشرت في الصحافة الصينية مفردات من قبيل “القوة الناعمة” و”الحرب الناعمة”، و”سباق التسلح الناعم”، ما دلّ على إدراك القيادة الصينية لحجم المخاطر المحدقة بجبهتها الثقافية والسياسية الناعمة . كما دخلت القوة الناعمة قاموس روسيا الاتحادية بشقيها الدفاعي والهجومي. في الشق الهجومي أدرجت روسيا القوة الناعمة في برامجها الخارجية منذ سنة 2012 من خلال تصريحات للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس الوزراء ديميتري ميدفيديف، ووزير الخارجية سيرغي لافروف ويتم ذلك من خلال مد النفوذ الخارجي لروسيا وزيادة انتشارها الإعلامي والإنساني والمعلوماتي والتنموي والتعليمي – استقطاب الطلاب الأجانب – وفق ما شرحه نائب وزير الخارجية الروسي جينادي غاتيلوف . وفي الشق الدفاعي، قررت الإدارة الروسية منع الوكالة الأميركية للتنمية الدوليــة USAID من العمل على جميع الأراضي الروسية بموجب تشخصيها للمخاطر الثقافية الناعمة الوافدة من أميركا من خلال هذه الوكالة التابعة بصورة رسمية لوزارة الخارجية الأميركية، كما اقرت قانون في البرلمان الروسي يحلّ مئات منظمات المجتمع المدني الروسية التي تمولها الإدارة الأميركية والدول الغربية . فيما أفردت بريطانيا عام 2012 وحدة عمل خاصة في مجلس اللوردات البريطاني تحت اسم “لجنة القوة الناعمة والنفوذ البريطاني” وذلك بهدف تحقيق مجموعة أهداف نذكر منها:
أولاـ إعادة تقييم القوة الناعمة البريطانية وتحديد المؤسسات المعنية.
ثانياـ إدراك منافع ومزايا نظرية القوة الناعمة وتعريفها للنخبة البريطانية.
ثالثاـ الاستثمار المالي في القطاعات المنتجة للقوة الناعمة والنفوذ البريطاني. وللغاية عقدت عشرات الجلسات مع خبراء في الجامعات البريطانية والأميركية، ومنها جلسة خاصة مع منظر القوة الناعمة جوزيف ناي لمناقشة نظريته، وسبل تطبيقها في السياسات الخارجية البريطانية .في حين حازت ألمانيا على لقب أكثر الدول تميزاً وفق مؤشرات ومقاييس القوة الناعمة حسب مجلة مونوكول الدولية لعام2013، وبالمقابل، خصصت اليابان عدة مؤتمرات وندوات لتقييم أسباب تراجع قوتها الناعمة في العالم . وبطبيعة الحال حظيت الحرب الناعمة باهتمام خاص في إيران في ضوء توجيهات سماحة الإمام الخامنئي دام ظله، فحظيت بعناية من أغلب المسؤولين والقادة على مستوى رئيس الجمهورية، ووزراء الأمن والاستخبارات، الثقافة والإرشاد، الخارجية، الدفاع، الحرس الثوري الإسلامي، المرجعيات الدينية في قم المقدسة. كما أسست الجمهورية الإسلامية في إيران مؤسسة خاصة، ومقـر يضم غرفة عمليات مخصصة لمواجهة الحرب الناعمة، وخصصت كليات ومعاهد ومراكز تدريبية للغاية، كما أصدرت عشرات الكتب، وعقدت عشرات المؤتمرات للتعريف بسبل المواجهة. وفي لبنان حظيت مقولة الحرب الناعمة باهتمام حزب الله، فوجه إليها سماحة الأمين العام ونائبه في أكثر من مناسبة، وحظيت باهتمام سائر قيادة حزب الله، وبعض الإعلاميين والباحثين والمثقفين الموالين لخط المقاومة.



