اراء

دور المرجعية الدينية في توحيد الخطاب الوطني وردع الإرهاب عبر التاريخ

3082

الجزء الأول / خاص – المراقب العراقي
د. حيدر فرحان حسين الصبيحاوي
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

عبر التاريخ الطويل للمرجعية الدينية العليا في العراق منذ نشأتها كمؤسسة قيادية للمجتمع الإسلامي بعد الغيبة الكبرى للإمام المنتظر “عج” في (329ه)، أخذت على عاتقها قيادة المجتمع بكل كفاءة وقوة في المجالات الفكرية والاجتماعية والسياسية، وأصبحت الملجأ الآمن للناس في قيادتها الى بر الأمان خاصة في الأزمات والمحن، وللحق وشهادة للتاريخ فإن المرجعية الدينية العليا التي اتخذت خط وعلوم أهل بيت النبوة الطاهرة منهجاً قولاً وعملاً وعلى طول التاريخ لم تكن يوماً ما مصدر قلق أو تفرقة للأمة الإسلامية، بل كانت على الدوام مصدر الاعتدال والوسطية سائرين على نهج الرسول الأعظم محمد “صل الله عليه وآله وسلم”.كانت المرجعية الدينية ولا تزال صمام الأمان في حياة الأمة خاصة في وأد الفتن الطائفية التي حاولت السياسات الغربية أثارتها بين أبناء المجتمع العراقي، خاصة ابان الاحتلالات كالاحتلال البريطاني وعلى سبيل المثال محاولة البريطانيين استغلال حدث عام (1318هـ/1900م) حينما تعرض المرجع الديني الشيعي آية الله السيد حسن الشيرازي في سامراء الى رمي بالحجارة من قبل بعض السامرائيين –وربما كان العمل تدبيرا من بريطانياً–، حاول القنصل البريطاني في بغداد التدخل واستغلال هذه الحادثة وتسخيرها لمصالح الاحتلال البريطاني، ركب حالاً الى سامراء وعرض على سماحة السيد الشيرازي اهتمام بريطانيا العظمى بهذا الحادث الخطير، وأنها مستعدة لاتخاذ كل ما يطلب سيادته من الإجراءات في هذا الشأن محاولاً إثارة حرب أهلية شعواء بين الشيعة والسنة، ولكن يقظة السيد الشيرازي حالت دون نجاح مخططهم فأجابه: (أن الحادث مجرد عمل صبياني فلا حاجة لأن تدس بريطانيا انفها في ما لا يعنيها من الأمور). ولا يخفى من دور المرجعية الدينية العليا في تهدئة الفوران الشعبي بعد تفجير قبة المرقدين العسكريين في سامراء سنة 2005 اثناء الاحتلال الامريكي – وربما كان العمل تدبيراً امريكياً- وحال دون حصول حرب أهلية، وغيرها من المواقف وإصدار الفتاوى الدينية التي حافظت على اللحمة الوطنية المجتمعية العراقية وحافظت كذلك على حدود الوطن من الاعتداءات الخارجية.
لا نريد من خلال تلك المقدمة الخوض في غمار تاريخ المرجعية الدينية ومواقفها الشجاعة والنبيلة، وإنما سنتحدث عن فتوتين خلال قرن من الزمان لهما أثرهما في التاريخ الحديث والمعاصر، والمثير في الأمر ان الفتوتين كانت للوقوف بوجه الإرهاب الوهابي – الصهيوني، وهما فتوى مراجع الدين بعد مجزرة الوهابية في لواء المنتفك بالعراق ضد مدنيين عزل في 11/آذار/1922، وفي تاريخنا المعاصر فتوى الجهاد الكفائي عام 2014، تلك الفتوتين اللتين كانتا الرد المناسب والرادع ضد البدعة الوهابية الطارئة وجرثومة الفساد التي بنت عقائدها المنحرفة على الإسرائيليات وعقائد الكفر والشرك وصنعت دين لا يمت بصلة للدين الإسلامي الحنيف.
فتوى عام 1922
قام الوهابيون في التجاوز على العراقيين، فقد هاجم رجال أبن سعود بقوة كبيرة فوجاً من قوة الشرطة العراقية في السماوة وأتبعوه بغارات عنيفة على خطوط التماس من البصرة الى النجف فقتلوا الشيوخ والنساء والأطفال، بل حتى الحيوانات ونهبوا ما قدروا عليه من حيوانات وحلي وذهب، وقدر عدد من قتلوا كان بحدود 694 شخصاً ولم تسلم منهم حتى الحيوانات التي قدرت بحدود 130 رأس خيل و 2530 جملا و 381 حمارا و 43010 رأس غنم وحرق 781 بيت شعر “خيمة”. وعلى خلفية هذه الجريمة النكراء والإبادة الجماعية للإنسان والحيوان على حد سواء أصدرت المرجعية الدينية العليا فتواها بدعم قبائل وعشائر العراق، ودعت الى عقد مؤتمر وطني عام.
الواقع السياسي بعد الهجوم الإرهابي الوهابي
جاءت الفتوى والدعوة الى عقد المؤتمر بعد إهمال بريطانيا لواجباتها في الحفاظ على حدود الدولة المنتدبة، أو لربما كان للبريطانيين المحتلين اليد الطولى في هذا الهجوم الغادر لا سيما وأن الوهابية اساساً هي صنيعة بريطانية من خلال دعم أمراء الدرعية من آل سعود للسيطرة على نجد والحجاز ودعم محمد بن عبد الوهاب لقيادة الحركة الوهابية التي أسسها الجاسوس البريطاني همفر، وكذلك الموقف الخجول من قبل الحكومة الملكية العراقية آنذاك والتي ايضا كانت تتحرك بإرادات بريطانيا، إذ لم يجتمع مجلس الوزراء إلا بعد مرور خمس أيام من وقوع أول الغارات الوهابية العنيفة، وأقتصر بالطلب فقط من متصرف لواء المنتفق أعانة المتضررين مالياً، الأمر الذي ازداد من القلق الشعبي، إذ ظن الكثيرون ان هذه الغارات ما هي إلا مقدمة لهجوم وهابي عام على العراق سينتهكون به الحرمات ويهدمون العتبات المقدسة ويقتلون الناس، مثلما حدث ذلك قبل قرن ونيف، أي بحدود سنة 1800.
مؤتمر كربلاء عام 1922
تحرّك علماء الدين في النجف الأشرف أولاً من أجل التهيئة للمؤتمر والإعداد له لغرض توحيد الخطاب الوطني العراقي والوقوف بوجه الهجمة الهمجية الوهابية، إذ بعث قطبا المرجعية الدينية العليا: السيد أبو الحسن الاصفهاني والشيخ محمد حسين النائيني برسالة الى الشيخ مهدي الخالصي في الكاظمية المقدسة يدعوانه الى عقد مؤتمر عراقي في كربلاء المقدسة تدعى اليه النخبة من وجهاء المجتمع وشيوخ العشائر العراقية كافة للمشاركة به. وشاركت وفود من العلماء السنة في المؤتمر، فمن بغداد كان برئاسة الشيخ عبد الوهاب النائب رئيساً وعضوية الشيخ داوود الراوي وإبراهيم الراوي وعبد الجليل الجميلي، وتكون وفد الموصل من عبد الله الآل رئيساً للوفد وعضوية مولود مخلص وسعيد الحاج ثابت وأيوب عبد الواحد والشيخ عبد الله النعمة وثابت عبد النور وعجيل الياور رئيس قبيلة شمر ومحمد آغا رئيس “الكركية”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى