الدكتور جبار محيبس .. حارس الأحلام المسرحية المغموسة بدموع الشعر

المراقب العراقي/ ماجد حميد..
حين تهاجر من جنوبك العذب صوب مدينة الصدر السمراء، سيسألك جيرانك السومريون الذين سبقوك إلى العيش فيها عن سرِّ مجيئك المتأخر؛ قل لهم: إنني لم أستطع الفراق، وما أخَّرني عنكم إلا أني كنتُ أُكمل وصيتي للهور والقصب والبردي، ولصرائفكم التي ما زالت تحن لأنفاسكم؛ قمت بتوديعها وأقسمت لها بأن أهلك سيثورون مع الثائرين، وسيكون لنا اسم في الحرية، ونضع الجمال ونكون من المبدعين، ونكسر سياج الظلم في عقر داره.. لنجعل الثورة بل العراق بأجمعه، يفخر بأن الدكتور جبار محيبس خرج من بين أزقة الصدر / الثورة، ونشر الجمال والإبداع على ربيع البلاد.
يمثل الدكتور جبار محيبس ظاهرة فريدة في الثقافة العراقية؛ ظاهرة جمعت بين الاحتجاج الأكاديمي، وشجن الشعر الشعبي، وجرأة خشبة المسرح الطليعي والشخصية التي تتمتع بجنون فني لا يشبهه أي انسان آخر وبذلك نستطيع القول إنه فريد من نوعه معنى وتصرفا وإبداعا فهو حارس الأحلام المسرحية المغموسة بدموع الشعر التي لا تنتهي .
وُلد محيبس عام 1954 في بيئة ريفية بمحافظة ميسان (العمارة) جنوبي العراق، وهو ما طبع روحه بالقصص الموروثة والشجن الجنوبي الأصيل. وفي طفولته انتقل مع عائلته إلى بغداد ليستقر في «قطاع 72» بمدينة الثورة. هناك عاش طفولة قاسية فقد فيها والدته وهو في سن التاسعة، وعانى مشقة الفقر والحروب المتتالية؛ وهي ظروف صقلت موقفه الإنساني والرافض للقمع مبكراً.
التحق بكلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، حيث صقل موهبته وتدرج حتى نال شهادة الدكتوراه في الفنون المسرحية، ليعمل لسنوات أستاذاً وتدريسياً كبيرا في معهد الفنون الجميلة تخرجت على يديه أجيال متعاقبة.
ويُعد محيبس من ألمع رواد ومؤسسي «مسرح الشارع» في العراق، منطلقاً من مقولته الشهيرة: “رجل الشارع لا يذهب إلى المسرح؛ لذا يجب أن يذهب المسرح إليه”. تأثر بمسرح العبث ومسرح القسوة (أنطونين أرتو)، وركّز على الإنسان المقهور بأفكار غرائبية؛ من بينها مشروعه الجريء “الفرار” الذي خطط ليمتد حركياً لمسافة 3 كيلومترات عبر سوق هرج وشارع الرشيد.
كتب الشعر الشعبي بعمق فلسفي فريد، حتى وصفه الشاعر عارف الساعدي بأنه: “نسخة مشابهة للشاعر يوسف الصائغ في الاحتجاج والشعر والمسرح”. وكانت قصائده تشتم الحرب وتوثق المآسي بدلاً من تمجيد المعارك، واشتهر بمقولته المفصلية: “أسافر للمدن.. بس نقط تفتيش”.
تنوعت أعماله بين الاحتجاج والرمزية؛ فقدم:جيفارا يرفع راية الحسين عمل يدمج بين الفكر الثوري العالمي والرمزية التضحوية في الموروث العراقي.
أعمال الأطفال والعروض الاحتجاجية: التي طالها المنع والقطع الرقابي في العهد الصدامي المقبور لجرأتها السياسية.
أما نتاجه الأدبي فكان ثرياً بصوته وإلقائه قبل الطباعة؛ إذ ترك أيقونات شعرية خالدة مثل “سار القطار”، وقصيدة “بنت عشها البلابل بالبساطيل”، و”ليش النافذة بنص جامعة بغداد مكسورة”، إلى جانب دراساته المنهجية والنقدية في فلسفة المسرح.
يبقى الدكتور جبار محيبس علامة فارقة في الوجدان الثقافي؛ فناناً لم يلهث خلف الشباك أو الأضواء الزائفة، بل غرس المسرح في قلب الشارع، وحمل شجن الجنوب ليصوغ منه حرية وجمالاً يتردد صداهما في أزقة المدينة وعلى جدرانها.



