التشكيلي كريم سعدون الساعي إلى تحطيم المألوف لخلق المدهش

المراقب العراقي/ رحيم يوسف..
في تجاربه التشكيلية المختلفة يعمَدُ الفنان كريم سعدون الى خلق دهشة مضاعفة عبر كل تجربة يبثها للمتلقي، فهو يسعى وبشكل متكرر الى تحطيم المألوف سعيا لخلق المدهش، وعليه فإن ما يفعله يتطابق مع ما نشعر به بشكل كلي او جزئي لأن العملية تهدف الى خلق المتعة الجمالية قبل كل شيء، ولعل تجربته المتفردة في رسم الخيول دليل واضح على ما نراه.
وبنظرة سريعة باتجاه التأريخ نجد أن الخيول وُجدت في الجزيرة العربية قبل 4500 سنة عبر نشوء السلالات الاولى لها والتي تطورت الى ما هي عليه الآن ، وقد رسمت الخيولَ أجيالٌ كثيرة جدا على مستوى العالم والوطن العربي.
سعدون الذي يتعمد أن يُشعرك بالصدمة مقدما ، وهي صدمة آنية سرعان ما تتلاشى شيئا فشيئا ، لأنها غير متوقعة بالنسبة للمتلقي ، وهي الصدمة التي تحطم كل التصورات الجمالية التي تحملها باتجاه عملية رسم الخيول التي شاهدتها من قبل باعتبارها إعلانا جماليا مختلفا ، وهنا لابد أن يحضر قول بابلو بيكاسو حول القواعد ، لأن الخيول تبدو كأنها مرسومة بخيط عشوائية غير منتظمة مشابهة لخربشات طفولية عابثة غير معنية بالأسس المتعارف عليها ، وبذلك فإنه سيجبرك على بذل الكثير من الجهد من اجل الدخول الى تلك الآلية البسيطة والشديدة التعقيد في ذات الوقت وأعني عملية التحطيم وإعادة البناء التي عمد اليها ، فتسير في دوائر لا تتوقف عبر تلك الخطوط مع أنها بعيدة عن الشكل الدائري لأن الزوايا قائمة هندسيا ، وبذلك فقد تمكن من تحطيم كافة التصورات التي تحملها عن الخيول قبل التلقي لتتحول الى متفاعل مع ما يبثه وكأنك تخليت ولو مؤقتا عن التصورات التي كنت تحملها قبل التلقي وتلك مسألة في غاية التعقيد تمكن منها ببساطة لا يمكنك تقبلها سابقا ولو على مستوى الخيال ، وأنت تتأمل تلك الرسومات التي تقترب من الرسومات الكارتونية أكثر منها لرسومات الخيول التي تعرفها مسبقا ، وهي خطوط كاريكاتورية لكنها ليست كذلك ايضا ، وهي تسعى لتحطيم الجمالي الشكلي العام بغية إيجاد شكل اقتراحي آخر للجمال عبر تحويل المألوف عبر ما هو عليه الى شكل آخر يتبنى قصدياته الجمالية وفقا للاقتراح ، وهو فهم متقدم لمفهومي الجمال والقبح في ذات الوقت عبر استلال الجمال من القبح عبر الاشارة اليه من اجل تأكيد وجوده كواقع مفروض نتعامل معه يوميا بالكثير من اللامبالاة او دون أن نكترث ، او ليس هذا جزءا حيويا من حياتنا نقوم بتحطيمه بتلك الامبالاة ، فهل هي صرخة لاستنهاض ذواتنا العليلة ؟ ، ربما كانت كذلك بحثا عن الجمال الذي تكلس في أرواحنا ونحن ندور في تِيه من القبح اليومي ، لأننا نأسنُ كالمياه الراكدة دون حراك يذكر او نتعفن كما تلك الخيول التي أخرجت من حلقات السباق التي كانت تمثل لها الحياة .
كما أنه تناول الكثير منها بالتوازي مع ثيمة المشخص الانساني بحيث كأنه يحاول ان يؤنسن تلك الخيول بفعل المشتركات الموجودة بينها وبين المشخصات ، فهي ليست خيولا قائمة بذاتها ، بل هي مشابهة للخيول ببعض العموميات لتتحول الى خيول لا تشابه غيرها كما هو واضح صوريا ، ولذلك فإننا سنطلق عليها خيول كريم سعدون التائهة في مدار الحروب .
كما يعتمد سعدون على التضارب بين الأسود والابيض لينقل لنا توترات داخلية واضحة عبر سيادة العفوية والبساطة القصديتين وهو بهذا يسحبنا باتجاه السطوح بذات البساطة ، كما انه يفرض سيطرته على السطوح التصويرية التي تضج بمرموزات تبث في أماكن بعيدا عبر تلك السطوح ( طائرات او حروفيات او مفردات ) لتفرض هيمنتها وتزيد من التوتر الذي يغير من سكونية المشاهد ، لكن تلك السيادة اللونية لا تستمر طويلا بل تتغير في بعض السطوح عبر استخدام الاحمر او الأحمر المنطفيء ، ليزيد من التوترات الداخلية غير المسيطر عليها وهي تعكس صراعا واضحا بين الداخل والخارج وتحيلنا الى تأثيرات سرعان ما تنتقل الينا لنصبح جزءًا من المشاهد العامة .



