اخر الأخباراوراق المراقب

عندما يتأخر الحق.. أين تقف العدالة بين الظالم والمظلوم؟

عمر رشيد السامرائي..

يدخل الإنسان إلى المحكمة وهو يحمل شيئاً أثقل من ملف الأوراق، يشعر بأن حقاً ما قد أُخذ منه، وأن هناك مؤسسة يفترض أن تُعيد إليه توازنه.

في البداية يبدو الأمر واضحاً في ذهنه؛ هناك ضرر وقع، وهناك حق يريد استعادته. ثم تبدأ الرحلة: مراجعة، وثيقة، موعد، انتظار، إجراء جديد، إجابة مؤجلة، وربما انتقال القضية بين مراحل تجعل الزمن نفسه طرفاً في النزاع. ومع مرور الأشهر، قد يتحول السؤال من «هل أحصل على حقي؟» إلى سؤال أكثر قلقاً: ماذا يبقى من العدالة إذا أصبح الوصول إليها مرهقاً إلى هذا الحد؟.

العدالة في معناها الأعمق ليست مجرد حكم يصدر في نهاية الطريق، إنها ثقة يعيشها الإنسان منذ اللحظة التي يطرق فيها باب القانون. أن يعرف أن شكواه ستُسمع، وأن أدلته ستُفحص، وأن الطرف الآخر سيحصل على حقه في الدفاع، وأن القرار لن يتحدد بقوة المال أو العلاقات أو القدرة على التأثير، وإنما بما تثبته الوقائع وما يقرره القانون، لذلك فإن قيمة العدالة لا تظهر فقط في النتيجة، وإنما في الطريقة التي يصل بها المجتمع إلى تلك النتيجة.

وهنا تظهر مشكلة الزمن، فالتأخير لا يعني تلقائياً، أن العدالة غائبة، لأن القضايا تحتاج إلى تدقيق وأدلة وإجراءات وضمانات تمنع التسرع في الحكم، غير أن الزمن الطويل قد يضيف إلى النزاع أضراراً جديدة. صاحب الحق قد يتحمل نفقات إضافية، وضغطاً نفسياً، وتعطلاً في عمله، وتوتراً داخل أسرته، وربما يفقد شيئاً من ثقته بأن الطريق الذي اختاره للوصول إلى الإنصاف قادر على إيصالِه إليه، عندها يصبح الانتظار نفسه جزءاً من تجربة الظلم.

المفارقة أن القانون قد يكون موجوداً، والإجراءات قد تكون محددة، والمؤسسات تعمل وفق اختصاصاتها، ومع ذلك يشعر المواطن بأن العدالة بعيدة عنه. وهذه المسافة بين وجود العدالة في النص وشعور الإنسان بها في حياته هي واحدة من أهم القضايا التي ينبغي التفكير فيها. فالقانون الذي يحمي الحق يحتاج أيضاً إلى طريق يستطيع المواطن فهمه والوصول إليه ومتابعته من دون أن تتحول الإجراءات إلى متاهة تستنزف قدرته على الاستمرار.

ومن الخطأ أن نبدأ أية قضية بسؤال: من الظالم ومن المظلوم؟ فهذه ليست مهمة الانطباع العام، ولا مواقع التواصل الاجتماعي، ولا ارتفاع صوت أحد الطرفين. المظلوم في الوعي الاجتماعي قد يكون مختلفاً عن المظلوم في ميزان الأدلة، والاتهام قد يسبق الحقيقة، والانتشار الإلكتروني قد يمنح رواية ما قوة لا تستحقها قانونياً. لذلك تحتاج العدالة إلى مساحة هادئة تفصل بين الشعور والواقعة، وبين التعاطف والحكم، وبين ما يقوله الناس وما يمكن إثباته.

وهنا تتضح أهمية القضاء بوصفه المكان الذي ينبغي أن تتحول فيه الروايات المتعارضة إلى وقائع قابلة للفحص. فطرف يقول إنه تعرّض للظلم، وطرف آخر قد يرى نفسه صاحب حق، وبينهما أدلة وشهادات ووقائع تحتاج إلى جهة مختصة تقرر وفق القانون. وإذا انتقلت القضية سريعاً من المحكمة إلى المنصات الرقمية، فقد يتحول المجتمع من فضاء للتضامن إلى فضاء للضغط، ومن البحث عن الحقيقة إلى صناعة أحكام مسبقة.

مع ذلك، فإن لجوء المواطن إلى الرأي العام يحمل رسالة ينبغي فهمها أيضاً، عندما يشعر الإنسان أن صوته لا يجد طريقاً واضحاً إلى المؤسسة، يبحث عن طريق آخر يسمعه. هذه الظاهرة لا ينبغي التعامل معها فقط باعتبارها مشكلة في سلوك المواطنين، وإنما باعتبارها إشارة إلى أهمية بناء مؤسسات تجعل القانون طريقاً مقنعاً منذ البداية، كلما شعر الإنسان أن شكواه تُسمع بوضوح، وأن الإجراءات مفهومة، وأن حقوقه مصانة أثناء التقاضي، قلت حاجته لتحويل القضية إلى قضية رأي عام.

العدالة التي يحتاجها المجتمع ليست عدالة سريعة على حساب الحقيقة، ولا عدالة بطيئة حتى يفقد صاحب الحق قدرته على الانتظار. إنها عدالة تجمع بين الدقة والوقت المعقول؛ تحمي المتهم من الحكم المتسرع، وتحمي صاحب الحق من الاستنزاف المفتوح، وتحافظ في الوقت نفسه على هيبة القانون من أن يتحول إلى أداة ضغط أو انتقام.

وهذا يقودنا إلى معنى أوسع، العدالة ليست علاقة بين قاضٍ وملف فقط، وإنما علاقة بين المواطن والدولة. فعندما يثق الإنسان بأن القانون يستطيع أن يحميه، يصبح أكثر استعداداً للجوء إلى المؤسسات، بدلاً من البحث عن وسائل شخصية لاسترداد حقه. وعندما تتراجع هذه الثقة، تبدأ احتمالات أخرى بالظهور: الوساطة غير الرسمية، الضغط الاجتماعي، التشهير، الانتقام، أو محاولة استخدام النفوذ. وكلما ابتعد المجتمع عن القانون بوصفه الطريق الطبيعي لحل النزاع، أصبحت النزاعات أكثر قابلية للتوسع خارج حدودها الأصلية.

لهذا فإن السؤال عن العدالة في العراق، لا ينبغي أن يبدأ من الظالم والمظلوم وحدهما، وإنما من الطريق الذي يفصل بينهما وبين الحقيقة. هل يستطيع المواطن أن يفهم الإجراءات؟ هل يعرف أين وصلت قضيته؟ هل يحصل الطرفان على فرصة متكافئة لعرض ما لديهما؟ هل يستطيع صاحب الحق أن ينتظر من دون أن يتحول الانتظار إلى عبء يسحق قدرته على الاستمرار؟ وهل تستطيع المؤسسة أن تطور أدواتها بحيث يصبح الوصول إلى العدالة أكثر وضوحاً وأقل استنزافاً؟.

هذه الأسئلة لا تنتقص من القانون ولا من القضاء، وإنما تضع العدالة في معناها الأوسع: حق الإنسان في أن يعرف أن مؤسسات بلده تسمعه، وأن النزاع لا يتحول إلى معركة نفوذ، وأن الحقيقة لا تُقاس بعدد المتابعين ولا بقوة العلاقات، وأن الزمن لا يتحول إلى عقوبة غير معلنة على من اختار الطريق القانوني.

وقد يكون أخطر ما يمكن أن يحدث للعدالة، أن يصبح المواطن مقتنعاً بأن الحصول على الحق يحتاج إلى قدرة خاصة على الصبر، أو شبكة علاقات، أو إمكانات مادية، أو حضور إعلامي. فحينها يصبح القانون واحداً في نصوصه، بينما يشعر الناس أن القدرة على الوصول إليه ليست متساوية في الواقع. ومن هنا تبدأ العدالة بفقدان معناها الاجتماعي حتى لو بقيت نصوصها قائمة.

العدالة الحقيقية لا تعني أن ينتصر طرف لأن صوته أعلى، ولا أن يحصل طرف على ما يريد لأنه الأكثر تأثيراً، إنها أن يصل المجتمع إلى الحقيقة وفق قواعد يعرفها الجميع، وأن يحمي القانون حق كل طرف في أن يُسمع ويُدافع عن نفسه، وأن يكون الحكم نتيجة للأدلة لا نتيجة للضغط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى