حقيقة الاستخارة وبعض أحكامها

صباح الصافي..
تواجه الإنسان في مسيرة حياته مواقف تتعدَّد فيها الخيارات، وتتشابه فيها الوجوه، فلا يتَّضح له موضع المصلحة، ولا يستطيع أن يجزم بما تؤول إليه العواقب، فيقف حائرًا أمام قرار يحتاج إلى ترجيح سليم. وقد اقتضت رحمة الله (تعالى) أن يفتح لعباده أبوابًا تعينهم على تجاوز هذه الحيرة، فشرع لهم وسائل تهديهم إلى حسن الاختيار، ومنها الاستخارة التي تمثِّل توجهًا صادقًا إلى الله (سبحانه)، وطلبًا لاختياره فيما خفيت مصلحته على الإنسان بعد إعمال الفكر، والاستفادة من المشورة، وبذل الوسع في تشخيص الأصلح.
ولا تعني الاستخارة إلغاء دور العقل أو الاستغناء عن التخطيط والدراسة؛ وإنَّما تأتي في المرحلة التي يبذل فيها الإنسان ما يستطيع من أسباب المعرفة، ثمَّ يفوِّض أمره إلى الله (سبحانه)، راجيًا أن يختار له ما فيه الخير في دينه ودنياه. ولهذا جاءت النصوص الشريفة تؤكِّد منزلتها وآثارها المباركة، فقد رُوي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّه قال: «بَعثَني رسولُ اللَّهِ (صلَّى الله عليه وآله) على اليَمنِ، فقالَ وهُو يُوصيني: يا عليُّ، ما حارَ مَنِ اسْتَخارَ، ولا نَدِمَ مَنِ اسْتَشارَ.
ويكشف هذا الحديث عن أصلين عظيمين في صناعة القرار؛ أوَّلهما طلب الخير من الله (تعالى)، وثانيهما الاستفادة من خبرة أهل الرأي؛ ليجتمع التوكل مع الأخذ بالأسباب، فيسير الإنسان على هدىً وبصيرة.
معرفة مفهوم الاستخارة مدخل أساسي لفهم حقيقتها وأحكامها الفقهيَّة؛ لأنَّ الوقوف على معناها اللغوي والاصطلاحي يكشف عن الغاية التي شُرِّعت من أجلها، ويزيل كثيرًا من المفاهيم غير الدقيقة المرتبطة بها.
والاستخارة لغةً: «رضا الله لك؛ أي: أعطاك الله ما هو خير لك، والخيرة، بسكون الياء، اسم منه، والاستخارة طلب الخِيرَة، وأستخيرك بعلمك؛ أي: أطلب منك الخيرة متلبسًا بعلمك؛ بخيري وشرِّي» ويتبيَّن من هذا المعنى أنَّ الاستخارة هي طلب الخير ممَّن أحاط علمًا بجميع المصالح والمفاسد، وهو الله (سبحانه وتعالى).
وتدور الاستخارة في الاصطلاح حول تفويض الأمر إلى الله (تعالى)، وطلب هدايته إلى الأصلح عند الاشتباه بين الخيارات المباحة. وقد عُرِّفت بأنَّها: «الاستشارة من الله (سبحانه وتعالى) عند التحيّر في إنجاز عمل معيَّن، أو أنَّها دعاء إلى الله (تبارك وتعالى) بأن يرشده إلى ما فيه الصلاح» وينسجم هذا المعنى الاصطلاحي مع أصلها اللغوي؛ إذ يجتمع فيه طلب الخير مع تفويض الأمر إلى الله (عزَّ وجلَّ) بعد أن يبذل الإنسان وسعه في التفكير، ويدرس أبعاد المسألة، ويستشير أهل الخبرة والرأي. ومن ثمَّ لا تُعدُّ الاستخارة بديلًا عن العقل أو المشورة؛ وإنَّما هي عبادة يتقرَّب بها المؤمن إلى الله (تعالى) عندما لا يتبيَّن له وجه المصلحة، فيسأله أن يختار له ما هو خير في دينه ودنياه، اعتمادًا على علمه المطلق، وحكمته البالغة.
حظيت الاستخارة بمكانة في النصوص الشريفة؛ لما تتركه من آثار إيمانيَّة وتربويَّة في نفس المؤمن، ولما تؤدِّيه من دور في ترسيخ الصلة بالله (تعالى) عند مواجهة المواقف التي يشتبه فيها وجه المصلحة. وقد جاءت روايات عديدة تؤكِّد فضلها، وتكشف هذه النصوص أنَّ الاستخارة هي عبادة تقوم على حسن التوكل، وصدق الالتجاء إلى الله (تعالى)، والرضا بما يختاره لعبده؛ عن الإمام الصادق (عليه السلام): «مِن سعادَةِ ابنِ آدَمَ اسْتَخارَتُهُ اللهَ ورِضاهُ بما قَضى اللهُ، ومِن شِقْوَةِ ابنِ آدَمَ تَرْكُهُ اسْتِخارَةَ اللهِ وسَخَطُهُ بما قَضى اللهُ» وعنه (عليه السلام): «أنزل الله: إنَّ مِن شَقاءِ عَبْدي أنْ يَعمَلَ الأعْمالَ، ولا يَستَخِيرُني.
وعنه (عليه السلام): «مَن دَخَلَ في أمْرٍ بغَيرِ اسْتِخارَةٍ، ثُمَّ ابْتُليَ لَم يُؤجَرْ» والسبب في ذلك أنَّ الله (تعالى) هيَّأ له الوسائل التي تزيل عنه تردُّد القرار؛ ولكنَّه لم يسلكها. وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «ما أُبالي إذا استخرْتُ على أيِّ طرفيّ وقعتُ.



