كيف تصل إلى قمة السعادة في حياتك؟

قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
البشرية كلّها تبحث عن السعادة، لكن أكثرهم لا يجدها، والسرّ أنّهم يبحثون عنها في المكان الخاطئ، في الثروة والمال والمنصب و…، بينما السعادة توجد في:
- جزاء الناس بأحسن أعمالهم، لا بأسوأها ولا بالمعدّل المتوسّط.
- التلذّذ بجرعات السعادة الصغيرة، لكن المحيطة بنا دومًا وبالألوف.
- الحذر من فخّ الطمع، فإنّه أعظم ما يوجب الشقاء.
الجزاء على أفضل الأعمال
الآية الشريفة تعطينا خارطة طريق مفتاحية للوصول إلى قمة السعادة والحياة الطيّبة، وفي هذا البحث نقتصر على إحدى البصائر القرآنية التي تلقي الضوء على أحد أهم مفاتيح السعادة.
المفتاح الأول للسعادة: وهو ما أشار إليه تعالى بقوله: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، فإنّ هذه الخصلة، الجزاء على أفضل العمل، لا على الأردأ ولا على المعدّل المتوسط لمجموع الأعمال، من أهم عوامل سعادة الإنسان. فلنبدأ أولًا بإيضاح الأمر في سنّته تعالى في جزاء خلقه، ثم نثنّي بالكلام عمّا ينبغي أن نفعله نحن، وكيف يفتح ذلك لنا أبواب السعادة.
فإنّ الناس يَجزون من عمل سيئًا، عادة، إمّا بأسوأ ما عمل، أو غاية الأمر بالمعدّل من مجموع أعماله. فإذا رسب طالب في عدد من الدروس، فإنّ المعلّم إمّا أن يعتبره راسبًا، أو أن يعطيه درجة متوسّطة من حصيلة مجموع الدروس. وإذا تكاسل موظّف عن المجيء إلى الشركة ثلاثة أيّام في الشهر، مثلًا، فإنّ المدير لا يلاحظ الأيّام التي التزم فيها بالحضور، وإنّما يطرده أو يعاقبه بحسب هذه الأيّام، أو غاية الأمر، وكما سبق، يعطيه جزاءه بحسب المعدّل العام. وكذلك الزوج مع زوجته، فإنّه إذا رأى كلّ المنزل نظيفًا منظّمًا إلا غرفة واحدة، فإنّه يأخذها بأسوأ عملها، ولا ينظر إلى جهدها الذي بذلته في تنظيف المنزل كلّه إلا غرفة واحدة.
وكذلك الصديق مع صديقه، فإنّه إذا أهانه اليوم، مثلًا، بشتيمة أو بضربة، فإنّه كثيرًا ما ينسى كلّ حسناته نحوه، وكلّ صداقته معه طوال السنين الماضية، فيقطع علاقته به، أو يواجهه بعنف، أو يردّ له الصاع صاعين، وفي أفضل الفروض، فإنّه يخفض تصنيفه له ومكانته عنده.
أمّا الله تعالى، فإنّه، وبصريح الآية الكريمة، يجزي المؤمن الذي عمل صالحًا بأحسن عمله، لا بالأسوأ ولا بالمعدّل المتوسّط من المجموع، وأحسن الأعمال هو الإيمان نفسه. بل ورد في الرواية ما مضمونه: إنّ الإنسان إذا قبل الله تعالى منه عملًا واحدًا فقط، أدخله الجنّة، أي إنّه لو صام وصلّى وخمّس وزكّى وحجّ واعتمر وأطعم الفقراء والمساكين وعمل ألف عمل وعمل، ولم يقبل الله منه أيّ شيء منها إلا واحدًا، لم يقبل أيًّا منها لكونها رياءً أو سمعة، أو لأنّه أحبطها بظلم ونحوه، فإنّ الله تعالى بجوده وكرمه يكتفي بصدقه في عمله الواحد هذا ويدخله الجنّة.
وهذا بالضبط هو الذي إذا عملنا به، تحوّلت حياتنا إلى حياة سعيدة، وذلك لأنّ الذي يجزي الناس بأفضل أعمالهم ويتغاضى عن سيئاتهم، فإنّ الناس يحبّونه ويلتفّون حوله. ففي الحديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «مَنْ لَانَ عُودُهُ كَثُفَتْ أَغْصَانُهُ»، كما أنّه ينتشر عنه الذكر الحسن والسمعة الجيّدة، ويزداد أعوانه وأنصاره ونفوذ كلمته في المجتمع، ويقفون له في الأزمات، فتكون حياته حياة سعيدة بالدرجة نفسها، عكس من يجزي الناس بأسوأ أعمالهم، فإنّ الناس ينفضّون من حوله، وسوف لا تسمع عنه إلا سيّئ الذكر ومرّ الأخبار. وأمّا الذي يعاملهم بمتوسّط معدّل أعمالهم، فإنّهم يعتبرونه كأدناهم، ولا يكاد يتذوّق طعم السعادة إلا غرغرة أو مضمضة، فهذا هو المفتاح الأوّل إذًا.
البحث عن السعادة في الأمور الروتينية والصغيرة
وأمّا هذا المفتاح، فهو ما سبق من: «ابحث عن السعادة في الأشياء الصغيرة والأمور المتعوّد عليها، بدل أن تبحث عنها في الأشياء الكبيرة». ومزيد الفوائد في هذا المفتاح: إنّ السعادة الكلية الجامعة المانعة في الأمور الكبرى ليست ممّا قدّره الله تعالى للإنسان في الحياة الدنيا، وإلى ذلك تشير الروايات الشريفة، حيث تصرّح بأنّ بعض الناس يتمنّى المستحيل، أو إنّ بعض الناس يطلب ما لم يخلق الله تعالى ولا يخلقه في الدنيا، فيشقى في دنياه كما يخسر آخرته.
قال (عليه السلام): “لا تتمنوا المستحيل”.
فقد قال الإمام الصادق (عليه السلام) لأصحابه: “لَا تَتَمَنَّوُا الْمُسْتَحِيلَ”.
قالوا: “وَمَنْ يَتَمَنَّى الْمُسْتَحِيلَ؟”.
فقال: “أَنْتُمْ، أَلَسْتُمْ تَمَنَّوْنَ الرَّاحَةَ فِي الدُّنْيَا؟”.
قالوا: “بَلَى”.
فقال: “الرَّاحَةُ لِلْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا مُسْتَحِيلَةٌ”.
وفي رواية أخرى مزيد تفصيل وبيان: «سَمِعْتُ عَلِيَّاً بْنَ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) يَقُولُ: مَنْ لَمْ يَتَعَزَّ بِعَزَاءِ اللَّهِ، تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ عَلَى الدُّنْيَا حَسَرَاتٍ، وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ إِلَّا كَكِفَّتَيِ الْمِيزَانِ، فَأَيُّهُمَا رَجَحَ ذَهَبَ بِالْآخَرِ، ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ، يَعْنِي الْقِيَامَةَ، لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ، خَفَضَتْ وَاللَّهِ بِأَعْدَاءِ اللَّهِ إِلَى النَّارِ، رَافِعَةٌ، رَفَعَتْ وَاللَّهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ إِلَى الْجَنَّةِ.. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ جُلَسَائِهِ، فَقَالَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ وَأَجْمِلْ فِي الطَّلَبِ، وَلَا تَطْلُبْ مَا لَمْ يُخْلَقْ، فَإِنَّ مَنْ طَلَبَ مَا لَمْ يُخْلَقْ تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ حَسَرَاتٍ، وَلَمْ يَنَلْ مَا طَلَبَ.
ثُمَّ قَالَ: وَكَيْفَ يُنَالُ مَا لَمْ يُخْلَقْ؟
فَقَالَ الرَّجُلُ: وَكَيْفَ يُطْلَبُ مَا لَمْ يُخْلَقْ؟.
فَقَالَ: مَنْ طَلَبَ الْغِنَى وَالْأَمْوَالَ وَالسَّعَةَ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّمَا يَطْلُبُ ذَلِكَ لِلرَّاحَةِ، وَالرَّاحَةُ لَمْ تُخْلَقْ فِي الدُّنْيَا وَلَا لِأَهْلِ الدُّنْيَا، إِنَّمَا خُلِقَتِ الرَّاحَةُ فِي الْجَنَّةِ وَلِأَهْلِ الْجَنَّةِ، وَالتَّعَبُ وَالنَّصَبُ خُلِقَا فِي الدُّنْيَا وَلِأَهْلِ الدُّنْيَا.
وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْهَا جَفْنَةً إِلَّا أُعْطِيَ مِنَ الْحِرْصِ مِثْلَيْهَا، وَمَنْ أَصَابَ مِنَ الدُّنْيَا أَكْثَرَ كَانَ فِيهَا أَشَدَّ فَقْرًا، لِأَنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى النَّاسِ فِي حِفْظِ أَمْوَالِهِ، وَيَفْتَقِرُ إِلَى كُلِّ آلَةٍ مِنْ آلَاتِ الدُّنْيَا، فَلَيْسَ فِي غِنَى الدُّنْيَا رَاحَةٌ، وَلَكِنَّ الشَّيْطَانَ يُوَسْوِسُ إِلَى ابْنِ آدَمَ أَنَّ لَهُ فِي جَمْعِ ذَلِكَ الْمَالِ رَاحَةً، وَإِنَّمَا يَسُوقُهُ إِلَى التَّعَبِ فِي الدُّنْيَا وَالْحِسَابِ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ. ثُمَّ قَالَ (عليه السلام): كَلَّا.
الحذر من فخاخ إبليس
المفتاح الثالث: احذر فخاخ إبليس، ذلك أنّه كما أنّ الصيادين قد يملأون أنحاء من الغابة بالفخاخ، كذلك إبليس قد ملأ حياتنا بمختلف أنواع الفخاخ الخطرة. ومن أهم أنواعها فخ الطمع والجشع والحرص، وهو أكبر المصائد والشباك التي تقضي على السعادة وتورث الشقاء، وفي المقابل فإنّ القناعة هي من أهم مفاتيح السعادة.



