دماء جديدة لأسود الرافدين

بقلم/ زكي الطائي ..
يبدو أن كرة القدم العراقية تقف أمام مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز التجديد وضخ الدماء الشابة في صفوف المنتخبات الوطنية، وهي خطوة طال انتظارها، خصوصًا بعد المشاركة العراقية في كأس العالم 2026، وما أفرزته من دروس فنية تحتاج إلى مراجعة هادئة وشجاعة.
التوجه الذي يقوده المدرب الأسترالي غراهام أرنولد نحو إحداث تغييرات في تشكيلة المنتخب ومنح الفرصة للاعبين أكثر شبابًا، لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه استغناءً عن جيل سابق، بقدر ما هو محاولة لبناء فريق قادر على الاستمرار لسنوات مقبلة. فقد كشفت التقارير، أن عددًا من الأسماء التي شاركت في المونديال ستغيب عن المرحلة المقبلة، مقابل منح فرص جديدة للاعبين تألقوا في الفترة الأخيرة.
والأهم من التغيير الفني، أن هناك تحرّكًا إداريًا موازيًا من رئيس الاتحاد العراقي لكرة القدم، يونس محمود، باتجاه اللاعبين العراقيين الموجودين في أوروبا. فقد شهدت جولته الأوروبية متابعة مباشرة لبعض المحترفين، وكان من بينهم يوسف النصراوي، لاعب ريد النمساوي، الذي التقاه محمود وتحدّث معه بشأن مستقبله مع المنتخب، فيما تشير التقارير إلى اهتمام الاتحاد أيضًا بملف منتظر الماجد، لاعب هاماربي السويدي، بهدف معالجة أسباب ابتعاده عن المنتخب وإعادة فتح باب التواصل معه.
وهذا التحرّك مهم، لأنه يفتح الباب أمام اكتشاف مواهب عراقية نشأت كرويًا في بيئات أوروبية مختلفة، واكتسبت ثقافة احترافية قد تكون إضافة حقيقية للمنتخب، بشرط ألا يكون معيار الاختيار هو مكان إقامة اللاعب أو جنسيته الرياضية، وإنما مستواه الفني وقدرته على خدمة المنتخب.
إن بناء المنتخب لا يحدث بين ليلة وضحاها، ولا يكفي استدعاء لاعب شاب لمباراة أو بطولتين ثم الحكم عليه. المطلوب هو مشروع طويل الأمد يبدأ من المنتخبات العمرية، ويمر بالمنتخب الأولمبي، وصولاً إلى المنتخب الوطني، مع وجود قاعدة بيانات حقيقية لجميع اللاعبين العراقيين المحترفين في الخارج.
الشباب يمنح المنتخب الطاقة والاستمرارية، لكن الشباب وحده لا يكفي. فالمنتخب يحتاج إلى مزيج محسوب من الخبرة والموهبة، مع إعطاء اللاعب الصغير فرصة حقيقية حتى يثبت نفسه داخل الملعب.
ولعلّ الخطوة الأهم في المرحلة المقبلة هي أن يتحوّل هذا التوجّه إلى سياسة ثابتة، لا ترتبط باسم مدرب أو دورة انتخابية. فالعراق يحتاج إلى منتخب يُبنى للمستقبل، لا منتخب يُشكّل من أجل بطولة واحدة.
الدماء الجديدة ليست مغامرة إذا كان الاختيار صحيحًا، بل هي استثمار في سنوات قادمة. وربما يكون ما يجري اليوم بداية الطريق نحو منتخب عراقي أكثر شبابًا، وأكثر قدرة على المنافسة، وأكثر امتلاكًا للمستقبل.



